تسليط الضوء على ديناميات التوترات الطائفية: تحليل لوجهات نظر الشباب في لبنان بناءً على استنتجات سلسلة حلقات نقاش

هذه الوثيقة هي دراسة تتناول ديناميات التوترات الطائفية التي أصبحت نزعة منتشرة في بلدان غربي آسيا. وهي الأولى من نوعها وتهدف الى تحليل ديناميات التوترات الطائفية بأدق تفاصيلها، بالتركيز على الشباب الذين تتراوح اعمارهم بين 18 و 25 سنة، ويشكلون الشريحة الكبرى من السكان العرب، وذلك بناءً على استنتجات سلسلة من حلقات النقاش. وقد أُعتمد المجتمع اللبناني كدراسة حالة لتوجيه النقاشات والتعمّق في فهم العوامل المؤديّة الى تأجيج التوترات الطائفية، التي هي من الأسباب الجوهرية للنزاعات. وتتضمن الدراسة تقييمًا لوجهات نظر الشباب بشأن العلاقات بين الطوائف، والديناميات الخاصة بين الطوائف، وطبيعة النظام السياسي.

التأثير القوي للانتماء الطائفي على الديناميات السياسية والاقتصادية والاجتماعية هو ظاهرة ليست بجديدة على المنطقة العربية. غير أن العقود الأخيرة شهدت سلسلة من التطورات التي أججت هذه النزعة من جديد. وتنطوي هذه النزعة التي تزداد انتشاراً في عدد من بلدان غربي آسيا، على مخاطر جسيمة. وما لم تخضع التوترات الطائفية للضوابط اللازمة، فستبقى جامحة تغذي التشرذم والتفكك داخل منطقة الأسكوا وخارجها. ولا شك في أن هذه التوترات تؤدي الى تقويض جهود الإصلاح وتهميش حقوق الإنسان والقيم الدينية وزرع الفوضى وأشعال الفتن الأهلية.

تؤكد الدراسة أن التوترات الطائفية تتفاقم من جراء تفاعل عدد من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والخارجية وكذلك العوامل المتصلة بتركيبة الدولة. وتشير تحديداً إلى أربعة عناصر أساسية بأعتبارها جزءاً من الأسباب الجوهرية للتوترات الطائفية في الحالة موضوع الدراسة، وهي إعادة إنتاج الهويات الطائفية بين الطوائف ونشوء فضاءات اجتماعية إقصائية والطبيعة الزبائنية للنظام السياسي.

مع أن الهويات الجماعية المختلطة هي سمات يكاد لا يخلو منها أي مجتمع، يبدو أن البعد الطائفي لدى الشباب اللبناني يكتسب أهمية تفوق "الهويات الأخرى"، كالإنتماء الى العائلة أو المنطقة مثلا.

وكشفت حلقات النقاش عن مفارقة تتميز بها العلاقات الاجتماعية في المجتمعات المتعددة الطوائف، مثل المجتمع اللبناني. فقد سبق للمشاركين أن اختلطوا مع غيرهم من أبناء الطوائف الأخرى وتفاعلوا معهم، إلا أنّ هذا الاختلاط لم يكن كافيًا لتبديد المخاوف من الطوائف التي لا ينتمون اليها. وتبرز الطبيعة المجزأة للعلاقات الاجتماعية بين الطوائف على مستوى الفضاءات أيضًا. فقد كشفت المناقشات أن الشباب يميّزون بوضوح بين مختلف الأماكن حسب استخداماتها. فالاختلاط الاجتماعي ممكن في الأماكن العامة مثلاً. ولكن عند اختيار مكان الإقامة يصبح العيش في أماكن متعددة الطوائف غير مألوف بالنسبة للمشاركين لأن شغلهم الشاغل هو العيش بأمان.

وقد اتضح من المناقشات أن المشاركين واعون لانتشار الجيوب الفضائية والاجتماعية، وأن الشباب يشعرون بخيبة أمل واضحة من الدولة والنظام السياسي. إلا أن الآراء تكاد تجمع على رفض وقوع أي شكل من أشكال التباعد بين اللبنانيين. وأعرب المشاركون في حلقات النقاش، والذين ينتمون الى طوائف مختلفة، عن تطلُعهم إلى أن يكون لبنان وطنٍا واحداً موحداً. واعتبر جميع المشاركين تقريبًا أن تعدد الثقافات في لبنان ثروة للمجتمع، وأن الشباب اللبناني يتطلع إلى قيام نظام سياسي متوازن ينعم الجميع في ظله بالعدالة والمساواة.

وتخلص الدراسة إلى عدد من التوصيات التي تدعو المؤسسات الحكومية والمنظمات المتعددة الأطراف والمجتمع المدني والجهات المانحة المعنية إلى العمل على ترسيخ القيم المدنية في النظام التعليمي، وعلى تعزيز ممارسات الحكم السليم في القطاع العام. ويُقصد من هذه التوصيات المساعدة في تعزيز القدرة على تحقيق التنمية والتماسك الاجتماعي والتعايش السلمي.

Product details
Date of Publication
17-9-2009
Publisher
مؤسسة هينرش بُل مكتب الشرق الأوسط والإسكوا
Number of Pages
26
Licence
All rights reserved.
Language of publication
العربية