ماذا بعد الربيع ....؟ دراسة آخر استثمارات التنمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

ماذا بعد الربيع ....؟ دراسة آخر استثمارات التنمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

تعزيز الانتقال الديمقراطي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا - تأمين الأمن المناخي والأمن في الطاقة والموارد

يبدو أنّ الصحوة الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا قد توقّفت وأنّ آفاق التنمية المستقبلية في الاقتصاد والأمن هي ذات مستوى رهيب. وتفيد التوقعات أنّ خطر عدم الاستقرار سيبقى مرتفعًا في مختلف أنحاء المنطقة حتّى العقد 2020 ويعود ذلك لمؤشرات اقتصادية مثل ارتفاع البطالة لدى الشباب وغيرها من العوامل الهيكلية كعدم المساواة الاجتماعية والإقليمية والتصديرات المنخفضة القيمة. ويعود ذلك أيضًا إلى عرضة المنطقة للقوات الاقتصادية العالمية والاعتماد على الأسواق الأوروبية والنقص في الشمل داخل المنطقة.

وفي الوقت عينه، تشكل المنطقة إحدى أهم المناطق استراتيجيًا بالنسبة لأوروبا في ما يخص السياسة والاقتصاد ولذلك، في أثر الربيع العربي، توعدت دول الـ G8 وغيرها من الدول، بالإضافة إلى المصارف الدولية المختصة بالتنمية إن كانت مصارف دولية أو ثنائية الأطراف وغيرها من المؤسسات المالية الدولية، بتخصيص مبالغ كبيرة لتأمين الاستقرار في المنطقة. وتملك هذه الصفقات المالية والاقتصادية الداعمة إمكانية التحول إلى استثمارات في الاستقرار والمرونة لا سيما عند استخدامها في مشاريع البنى التحتية.

ولكن من الممكن أن تفشل هذه الصفقات في تأمين الاستقرار في المنطقة. فمشاريع البنى التحتية للطاقة، على سبيل المثال، تولّد تأثير الاحتجاز لأنها تحدد نظام الطاقة في البلد لمدّة عقود. وتزيد البنية التحتية التي ترسّخ اعتماد بلاد المنطقة على الوقود الأحفوري في مخزونها للطاقة من عرضة هذه البلاد إلى المخاطر الخارجية والصدمات. فعلى سبيل المثال، قد يشكل ارتفاع أسعار الطاقة وتقلّبها عائقًا كبيرًا في وجه التطور المستقبلي لا سيما أنّ معظم دول المنطقة تدعم الطاقة بشكلٍ كبير. ووصلت الإعانات المخصصة للطاقة في مصر في العام 2010 إلى 11.9 في المائة من مجموع الناتج المحلي الإجمالي. كما وصلت الإعانات الخاصة بالغذاء والوقود في تونس في العام 2009 إلى 11.6 في المائة من مجموع الناتج المحلي الإجمالي.

الاستثمار في تنمية دول الربيع العربي – مفيد أو مضرّ؟

تواجه البلاد في المنطقة حاليًا مصاعب كثيرة في ما يخص النمو بسبب الضغط الناجم عن موارد المياه والطاقة، والتأثر بتقلبات أسعار الغذاء العالمية، وتأثيرات تغير المناخ على السياحة والزراعة. ولذلك ستأثر الضغوطات الناجمة عن المناخ والموارد على الاستقرار من خلال طريقين أساسيين:

زيادة التعرض للصدمات المؤثرة بمستويات الحياة بسبب ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة العالمية وتقلّبها.

تخفيض المخرجات في المجالات الأساسية من الاقتصاد مثل السياحة والزراعة والطاقة.

وقد يؤدي التكيّف السيء مباشرةً إلى توترات اجتماعية في ريف مصر مثلاً حيث الأغلبية تعتمد على الإنتاج الزراعي من أجل العيش.

وتستطيع الاستثمارات التي تعالج هذه المصاعب المتأتية من الرابط بين تغير المناخ والطاقة والموارد أن تساعد بلاد المنطقة على بناء مرونتها في وجه الصدمات المستقبلية. فعلى سبيل المثال تستطيع استثمارات المرونة في وجه المناخ التي تعالج عرضة البلاد للجفاف وارتفاع نسبة مياه البحر أن تحدّ من التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية المتأتية من تغير المناخ. وتشكّل الطاقة والمياه عاملين أساسيين في النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية كما أنهما يشكلان عاملين مقرِّرين في الإنتاج الزراعي وبالتالي في الأمن الغذائي. ولذلك بإمكاننا القول إنّ الاستثمارات في مجالات أنظمة الطاقة المتجددة وفعاليّة الطاقة والبنى التحتية المائية وأنظمة الري وتحلية المياه، إلخ تعالج عددًا من أكثر المواضيع إلحاحًا في المنطقة مثل الفقر في الطاقة والتنمية الاقتصادية والصحة العامة.

ولكن لا تتطرّق الصفقات الاستثمارية الحالية إلى مسألة المرونة مما يشير إلى أنّ المجتمع الدولي للاستثمار العام لم يبدأ بعد بإدراك المشكلة والتفكير بكيفية تحقيق التأثيرات المستدامة الطويلة الأمد عبر تضمين عوامل الطاقة وتغير المناخ والموارد نظامياً في الاستثمارات، على سبيل المثال. وفي الوقت عينه، ليست فرصة تطبيق استثمارات المرونة إلا فرصةً ضيّقة إذ يسعى المزيد من المستثمرين - وأوّلهم المملكة العربية السعودية - إلى تأمين حصتهم من الفوائد الناتجة عن العدد الهائل من مشاريع البنى التحتية في المنطقة.

ولكن ليس من المؤكد إن كان ذلك سيولّد طرقات تنمية منخفضة الكربون.

وإنّ مشروع مؤسسة E3G – الجيل الثالث لحماية البيئة- سعى إلى وضع توصيات واقعية لكيفية إمكان صفقات الدعم الدولية المالية والاقتصادية أن توجّه المنطقة نحو طريق نموّ منخفض الكربون. والنقاش الأساسي هنا هو أنّ الإدارة الناجحة للمخاطر العديدة في المنطقة تتطلّب المعالجة المباشرة لعرضة المنطقة، وذلك من أجل تحويل ما سيكون مستقبلاً منخفض الكربون ومثقلاً بمصاعب الموارد من خطرٍ إلى فرصة. أربع أولويات استراتيجية تنتج عن تحليلنا للاستثمار في الاستقرار:

1- تحسين المرونة في وجه الصدمات. على الاستثمارات أن تعود وتركّز على معالجة التحديات المباشرة في مرونة المياه والغذاء والطاقة. ويشمل هذه التركيز دعم البلاد عند التطرّق إلى عرضتها لأسعار الطاقة وإلى إصلاح إعانات الطاقة؛ وإعادة تقييم الزراعة الموجهة نحو التصدير مقابل السياسات الزراعية والمحافظة على الأمن الغذائي؛ والصفقات الكاملة لإصلاحات إدارة المياه بالإستناد إلى الفعاليّة، وإدارة المجتمعات، والاستثمار المختصّ في المناطق التي قد تعاني من توتّر كبير في المياه والمجتمع.

2- دعم التنوع الاقتصادي في الصناعات الفعّالة في استخدام الموارد. على الاستثمارات أن تدعم الصناعات المستدامة الجديدة حتى عند زيادة الضغط على الموارد. ويجب أيضًا دراسة المناطق المنخفضة الكربون[1] المحتملة وتصديرات الطاقة النظيفة بشكلٍ أكثر جديّة.

3- بناء بنية تحتيّة مرنة. يجب الطلب من المستثمرين من القطاع العام في الخارج أن يقيّموا مرونة استثماراتهم في سيناريوهات متعددة إذ يجب دراسة الاستثمارات في "البنى التحتية الليّنة" – أي التحكم المجتمعي وحواجز الحماية الطبيعية (عوضًا عن الاصطناعية)، إلخ – لأنها قد تؤمن خيارات بديلة وأكثر مرونة للاستثمار.

4- ترشيد الدعم الخارجي في مواجهة ضغوطات الموارد. على صفقات الدعم الخارجي الحالية أن تنضمّ إلى بعضها بشكلٍ أفضل من أجل تحقيق التآزر. ونذكر هنا مثلاً يختصّ بأهداف شبكات الكهرباء المتجددة الطاقة- مثل [2]Medgrid[3], DESERTEC ومثيلها من المشاريع - والتأثيرات المحتملة لهذه الشبكات. وعلى الإتحاد الأوروبي تحديدًا أن يعيد تقييم إمكانيته لإضافة القيمة الأفضل وتحقيق بعض أهداف التنمية وأهداف الاستقرار العالي التأثير.

ويمكن أن يؤدّي التركيز على هذه الأولويات إلى حلّ الانشقاق الحالي بين العمليات السياسية الرفيعة المستوى الهادفة إلى دعم الاستقرار والديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفرقيا وبين أولويات التخصيص في عمليات الاستثمار العملي. وتظهر اليوم فرصة كبيرة لتفادي طرقات الاعتماد السلبي ولتوجيه المنطقة نحو طريق المرونة والتنمية المنخفضة الكربون.

الدكتور سابرينا سولز، رئيسة المكتب – برلين E3G - الجيل الثالث لحماية البيئة

[1] وضعت مؤسستي E3G و Chatham House مصطلح المناطق المنخفضة الكربون في سياق مشروعٍ أقيم في مصر. وتنبع الفكرة من المفهوم الأساسي للمناطق الاقتصادية الخاصة التي استخدمتها الصين بكثرة من أجل اختبار مفاهيم الأسواق الحرّة في الثمانينات والتسعينات. وتشكل المناطق المنخفضة الكربون مستخبرات وتقدّم فرصًا للنمو المنخفض الكربون ذي التوجه نحو الابتكار والدعم من شراكة القطاعين العام والخاص. ويمكن لهذه المناطق أن تكون موضع تركيز التعاون الاستراتيجي في ما يخصّ المناخ والعلوم والتكنولوجيا بشكلٍ يمكّن توسيع نطاق تبادل الخبرات حول فعاليّة الطاقو والطاقة المتجددة وأنظمة النقل المستدامة بالإضافة إلى الاستثمار في هذه المواضيع.

[2] تهدف مؤسسة DESERTEC إلى تعزيز توليد الطاقة النظيفة في أماكن تتوفّر فيها موارد الطاقة المتجددة بكثرة مثل في صحاري العالم. وتشكّل منطقة التركيز الأولى منطقة الإتحاد الأوروبي – الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي يتمّ فيها تنمية إطار عمل للاستثمارات الممكنة المختصة بالطاقة المتجددة والشبكات المترابطة .

[3] إنّ Medgrid هي مجموعة شركات تختص في مجالات توليد الكهرباء والنقل والتوزيع بالإضافة إلى تمويل البنية التحتية وخدمات تغير المناخ. وهي مبادرة تتبع لخطة الطاقة الشمسية المتوسطية لدراسة إمكانية نقل التيار المباشر العالي التوتر من خلال مصانع الطاقة الشمسية والهوائية.

0 Comments

أضف تعليقاً

أضف تعليقاً