الدوحة مضيفاً وموقعاً لمفاوضات الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة في شأن تغيّر المناخ

الدوحة مضيفاً وموقعاً لمفاوضات الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة في شأن تغيّر المناخ

الدوحة مضيفاً وموقعاً لمفاوضات الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة في شأن تغيّر المناخ

بين 26 تشرين الثاني/نوفمبر و7 كانون الأول/ديسمبر 2012، تستضيف قطر المؤتمر الـ18 للأطراف في الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة في شأن تغيّر المناخ وفي الوقت نفسه اجتماع الأطراف في بروتوكول كيوتو. والقضية الأبرز في أجندة الدوحة هي: تبني التزامات عالمية ذات معنى بالحد من الانبعاثات في الفترة الثانية للتطبيق (2012 – 2015) لبروتوكول كيوتو (المقرر خلافاً لذلك أن ينتهي العمل بها في نهاية العام الجاري) وبالتالي تمهيد الطريق لنظام جديد في شأن تغيّر المناخ يبدأ في 2015. وتدفع البلدان النامية باتجاه التطبيق الفاعل خطة بالي للعمل للعام 2007 – وهي مجموعة اتفاقيات على التعاون البعيد الأجل حول التكيف والتخفيف والتمويل ونقل التقنيات وبناء القدرات – في شكل متماسك ومتكامل. وعلى غرار كثير من الاتفاقيات العالمية المماثلة، يشكو الجنوب بحق من أن الشمال لم يفِ بالتزاماته الكثيرة لجهة التمويل ونقل التقنيات.

وأمضت قطر سنتين تصد التحديات من دول منافسة في المجموعة الآسيوية (تدور الاجتماعات السنوية بين خمس مناطق رئيسية)، خصوصاً من كوريا الجنوبية المصممة التي تعتبَر – على خلاف أعضاء مجلس التعاون الخليجي المصدّر للطاقة – متقدّمة نسبياً لجهة التزامها باقتصاد منخفض الكربون. ومن أسباب اختيار قطر – إلى جانب قدرتها المالية، طبعاً – الالتزام بمطلب قديم لجنوب العالم بإقامة مراكز السياسة الدولية خارج القواعد الشمالية التقليدية مثل نيويورك وجنيف. وحتى وقت قريب، كان برنامج الأمم المتحدة للبيئة فقط قائماً في الجنوب، تحديداً في نيروبي بكينيا. لكن من الأسباب المباشرة لمنح قطر شرف استضافة المؤتمر الـ18 للأطراف في الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة في شأن تغيّر المناخ، ربما، محاولة دق إسفين بين النظامين الملكيَّين الخليجيَّين اللذين يسمَّيان في شكل متزايد، وربما في شكل متسامح، "تقدّميَّين بيئياً"، وهما الإمارات وقطر، وبين تلك المسمّاة "رافضة" والممثّلة بالسعودية والتي تهيمن إلى الآن في الدوائر التفاوضية العربية الرسمية. فالفكرة، إذاً، هي مكافأة طموحات قطر لتحدي السعودية وبالتالي تفكيك وحدة الكتلة القوية المصدّرة للطاقة.

ويصر القطريون أنفسهم على أن استضافة قمة كهذه تعكس رغبة الجزيرة الدولة – وكذلك في الواقع رغبة مجلس التعاون وسائر الدول العربية – في لعب دور بنّاء أكثر في إنتاج اقتصاد "أخضر" عالمي ناشئ واستهلاكه وتمويله. ولفتوا أمام اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 2009، حين أطلق أمير قطر للمرة الأولى إلى تبدّل في الخطاب بعيداً عن نفي تغيّر المناخ وباتجاه الإقرار بأن تهديد تغيّر المناخ "تحدٍّ داهم" لحضارة العالم، إلى احتياطهم الضخم من الغاز وإلى الاحتمال المتمثّل في التحوّل، على الأقل، في الاعتماد من أسوأ أنواع الوقود الأحفوري – النفط الثقيل والفحم – إلى الغاز الطبيعي الصديق أكثر لجهة الانبعاثات، والمتضمن ما يقارب 50 بالمائة أقل من الانبعاثات مقارنة بالنفط. وتقوم قطر بالقاء الطعم من خلال مساهمتها الكبيرة المحتملة لوكالة تمويلية ما وبحوث الطاقة إلى جانب معاهد تقنية يمكن للعرب وأعضاء آخرون من الجنوب من التعويل عليها في سعيهم الى التكيف مع وقائع الارتفاع العالمي لدرجات الحرارة.

في هذه الأثناء، يرفض المنتقدون فكرة أن أغنى بلد في العالم (لجهة حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي)، وأحد البلدان الأبرز لجهة الأثر البيئي وحصة الفرد من انبعاثات الكربون (إلى جانب العضوين الآخرين في مجلس التعاون، الإمارات والكويت)، جادّ في معالجة الأسباب الجذرية لتغيّر المناخ. بل ويقترحون أن قطر مستمرة في خططها القديمة لجهة إدارة سمعتها وتسويقها: هي ترغب في شراء سمة "تغيّر المناخ"، مثلما اشترت أبو ظبي سمة "الطاقة المتجددة" إذ هزمت ألمانيا المنزعجة في 2009 واستضافت الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، وهي أول وكالة عالمية من نوعها في العالم العربي. وفي الواقع، استمر التباهي بالسمة في الدوحة فور توقيع اتفاقية البلد المضيف مع الأمم المتحدة، فالمقر المقرر للمؤتمر في الدوحة، مركز قطر الوطني للمؤتمرات، سرعان ما وسِم بالمبنى "الأكثر اخضراراً" من بين المباني التي استضافت يوماً مؤتمرات الأطراف. لكن المشككين يرون أن قطر، إذ تبذل قصارى جهدها لضمان انعقاد قمة واسمة فاعلة (أي أنها تحتاج إلى نتيجة سياسية كبيرة أو إطلاق مبادرة كبيرة تربط "الدوحة" بـ"الأخضر" و"التقدّم في تغيّر المناخ")، فور انتهاء القمة، سيتباطأ أي تقدّم مُحرَز، على غرار ما فعلته منذ إطلاقها مدينة مصدر الظبيانية التي لاقت كثيراً من الترويج (أو مدينة بصفر من الكربون أو الإيكوتوبيا الأولى في التاريخ).

تقدّم؟ المواقف القطرية والعربية

وعلى الرغم من تشكيك كهذا في دور قطر ونواياها لجهة استضافة هذا المؤتمر العالمي في مفترق الطريق المهم هذا بالنسبة إلى نظام الأمم المتحدة لتغيّر المناخ ومصير البشر والطبيعة حول العالم، ثمة دعوى قطرية وعربية أساسية تتسم عموماً بالصحة: حصل بعض التقدم في المواقف والخطاب حول تغيّر المناخ في المنطقة، يُقاس على أقل بالعدد والتواتر لجهة اللقاءات والأوراق وتبدّل الخطاب الرسمي. فبعد عقدين من تجاهل عام للنقاش العالمي المتزايد حدة حول تغيّر المناخ، التقطت المنطقة العربية متأخرة عدوى تغيّر المناخ وحركته، وباتت دوائرها الرسمية والشرائح المعولمة من المجتمع المدني العربي معاً مواكبة للمسألة.

وثمة دافعان رئيسيان لهذا التبدّل في المواقف. فمن جهة، برز تنبّه – تدعمه في شكل متزايد أدلة علمية واضحة وتوقعات دقيقة – إلى أن المنطقة العربية، فيما تساهم في شكل متواضع فقط (أقل من خمسة بالمائة)، بانبعاثات غاز الدفيئة، قد تكون المنطقة الأكثر عرضة لتأثير تغيّر المناخ. فالتقرير الرئيسي عن تغيّر المناخ في المنطقة العربية للبنك الدولي للعام 2012، أعاد التأكيد على أن الأغلبية الساحقة من المواطنين الـ350 مليوناً تقريباً في العالم العربي، خصوصاً المائة مليون المصنفين من الأمم المتحدة "فقراء" وهم بالتالي الأكثر عرضة، سيشعرون بهذا التأثير مباشرة. وتقترح نماذج موثوقة أن المنطقة تواجه زيادات في الدرجة السطحية للحرارة بمقدار درجتين إلى 5.5 درجة مائوية بحلول نهاية القرن الحادي والعشرين، فيما العام 2010 وازى العام 2005 منذ الآن لجهة أحرّ الدرجات المتوسطة للحرارة منذ بدء تسجيل درجات الحرارة في آخر القرن التاسع عشر. كذلك سيكون للارتفاع المتوقع لمستوى البحر تأثير مدمر في المنطقة. ففي الخليج، مثلاً، ستختفي ببساطة جزر اصطناعية حديثة وستخسر البحرين، الجزيرة الدولة الصغيرة، حتى 15 كيلومتراً من خطها الساحلي. وفي مصر، سيؤثر الارتفاع المتوقع لمستوى البحر متراً واحداً في حوالى ستة ملايين شخص، معظمهم من الفقراء، يعيشون في وادي نهر النيل. وتساهم توقعات منشورة في دراسة إقليمية رئيسية، وضعها المنتدى العربي للتنمية والبيئة، أكثر في الإحصائيات المقلقة. فهي تقترح أن الموارد النادرة في شكل متزايد للمياه ستقلص أكثر بنسبة 15 إلى 50 بالمائة في بلدان مثل لبنان وسوريا والأردن وفلسطين، وأن تدفق نهر النيل سيتراجع بنسبة 40 إلى 60 بالمائة، وأن التواتر والشدة المتزايدَين للجفاف، خصوصاً في بلدان شمال أفريقيا والمشرق سيصبحان مشكلة اجتماعية – اقتصادية وسياسية في المنطقة.

وهكذا وفي ظل المساهمة المنخفضة تاريخياً للمنطقة العربية في الانبعاثات العالمية لغازات الدفيئة وعرضتها العالية، فهمت الحكومات وقطاع الأعمال العربية أن ثمة الكثير يمكن كسبه من جذب تمويل المانحين إلى إجراءات التخفيف والتكيف، والمشاركة في خطط سوق الكربون، إلى جانب الاستفادة من النقل المحتمل للتقنيات الصديقة للمناخ وخطط كفاءة الطاقة التي تتناسب جيداً مع الرزم الجارية للإصلاح التقني عبر المنطقة. ونتيجة لذلك، يستهدف التركيز الرسمي لمعظم الدول العربية غير المنتجة للنفط، مثل مصر والأردن ولبنان، في المفاوضات العالمية، دعم موقف مجموعة الـ77 الهادف إلى ضمان أن تكرَّس مبادئ المساواة، والمسؤولية المشتركة ولكن المتمايزة، والتخفيف من الفقر، والتنمية المستدامة، في أي نظام تالٍ لكيوتو. والأكيد أن الهدف الرئيسي لهذه الدول من تأييد مبادئ دولية مهمة وضرورية كهذه، ليس الالتزام ببقاء البشر أو التعهد بإعادة هيكلة أنظمتها الاجتماعية – الاقتصادية والسياسية الخاصة بها، بمقدار ما هو الاستفادة من أموال إضافية من المانحين وفرص إضافية في الأسواق يُتوقّع أن تتدفق من أي صفقة عالمية يجري التوصل إليها، وفي الوقت نفسه تلبية الزيادة الحادة في الطلب المحلي على الكهرباء والمياه والطاقة. ومن الاهتمامات الأخرى لبلدان كهذه تجنّب إغضاب بلدان الخليج، خصوصاً السعودية، التي تعتبَر من المانحين والمؤثرين السياسيين الرئيسيين في الاقتصادات غير النفطية في المنطقة.

وثمة سبب رئيسي ثانٍ للتبدّل في العالم العربي للخطاب إزاء تغيّر المناخ، يبرز من واقع أن البلدان المصدّرة للنفط في مجلس التعاون، خصوصاً السعودية، تعتبر الموجة الأخيرة من مفاوضات تغيّر المناخ (بعد إقرار كيوتو في 2005)، والنقاشات حول اقتصاد عالمي منخفض الكربون، تهديداً مباشراً لمصالحها القومية وأمنها. وهكذا، هيمنت حتى الفترة الأخيرة السعودية، التي تؤثّر كثيراً في موقف منظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبك) وجامعة الدول العربية، على الموقف العربي بل ولعبت دوراً عالمياً صادقاً في التأثير (ولو سلباً) في نظام تغيّر المناخ، منذ دورة بالي للمفاوضات. فالمشاركة السعودية الفاعلة في المفاوضات العالمية أدت أساساً إلى الحد من الطموحات بصفقة مناخية تالية لكيوتو في مواجهة البلدان النامية وحاولت إدراج آلية لتعويض البلدان المنتجة للنفط عن أي خسائر في تجارة النفط بسبب تغيّر المناخ.

وحتى الفترة الأخيرة، حذت قطر حذو السعودية في هذه المسألة. فالتقارير القطرية الرسمية إلى الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة في شأن تغيّر المناخ بدءاً بالمرحلة التالية فوراً لبالي، دعمت التقارير السعودية والموقف الرسمي لمجموعة الـ77 حول العمل البعيد الأجل والقاضي بأن على البلدان النامية ("البلدان غير المدرجة في الملحق الأول")، بما فيها البلدان الأعضاء في مجلس التعاون، أن تقوم بـ"أفعال تخفيف مناسبة قومياً" منسجمة فقط مع "ظروفها القومية الخاصة ومبادرات التنمية المستدامة"، و"مشروطة بالتطبيق الفاعل" من البلدان المتقدمة لالتزاماتها بتقديم دعم تقني ومالي. وبعبارة أخرى، يجب أن تكون السياسة القومية لجهة تغيّر المناخ اختيارية لا مقررة دولياً كما هي الحال مع البلدان المتقدمة ("البلدان المدرجة في الملحق الأول") وفق بروتوكول كيوتو. ودعمت قطر الموقف السعودي الذي حذّر من أن أي محاولات شائنة من الشمال لوضع موضع التطبيق معايير اجتماعية – اقتصادية أو تتعلق بحصة الفرد لإحداث تمايز بين البلدان غير المدرجة في الملحق الأول بهدف "فرض" تخفيف أو التزامات أخرى على البلدان الأغنى في جنوب العالم تستند إلى "الدرجة النسبية من التقدم والقدرات"، هي "غير مقبولة". وحين اتضح أن بعض البلدان الأوروبية ومجموعات المجتمع المدني رغبت في فرض ضريبة كربونية عالمية، خصوصاً على قطاعي الطيران والسفن، لم ترد إلى الآن في المفاوضات، ردت قطر جهاراً مجدداً جنباً إلى جنب السعودية، بالقول إن صادراتها وعائداتها النفطية ستتضرر جدياً، ما سيعيق بدوره خطط التنمية، على خلاف أحكام كيوتو والتي تدعو البلدان المدرجة في الملحق الأول إلى تطبيق سياسات تقلص التداعيات الاجتماعية والتجارية والبيئية السلبية على دول أخرى. وهكذا وفيما عملت قطر ودول أخرى في مجلس التعاون على منع العمل الإيجابي على ضريبة كربون (وسياسات مشابهة مصممة لمعاقبة مصدّري الكربون على خطايا مستهلكيه، عموماً في الشمال)، روّجت بدلاً عن ذلك وبكثافة لـ"إمكانات التخفيف لدى السوق والاقتصاد" من خلال الحفاظ على الطاقة وكفاءتها، والتقاط الكربون وتخزينه، وفي حالة قطر، التحوّل في الوقود الأحفوري إلى أنواع ذات محتوى كربوني أقل (مثل الغاز الطبيعي). وهكذا، يتضّح أكثر لماذا اختيرت قطر لاستضافة الاتفاقية الإطارية

للأمم المتحدة في شأن تغيّر المناخ. فمن جهة، طبعاً، هناك الأمل، من خلال تعزيز الضغط المتزايد على قطر ودول أخرى في مجلس التعاون لإقناعها بإطلاق إمكاناتها المالية لتمويل كل من الأمم الأفقر في جنوب العالم والشركات والمؤسسات والباحثين التي تتخذ مقرات في الشمال، بقيام وضع مربح للجميع لجهة اقتصاد العالم والتنمية المستدامة. ومن جهة أخرى، هناك الأهمية المعلقة على كسر مقاومة كتلتي "أوبك" ومجلس التعاون في شكل ما، ومن خلال ذلك، شق كتلة مجموعة الـ77 للبلدان النامية والصين، باعتباره من الأولويات السياسية لكل من الدول الأكثر تقدمية في الشمال والحركات البيئية ذات القيادات الشمالية. وكما أوضحت كوني هيديغارد، المفوضة الأوروبية الحالية والتي تحمل ملف تغيّر المناخ، أخيراً في مقابلة مع صحيفة خليجية، يمكن لاجتماع الدوحة أن يجعل قطر "قائداً مثيراً للاهتمام في هذا المجال في المنطقة كلها" إن تحوّلت من الاعتماد على الوقود الحيوي. والمقصود بدور "القيادة" الذي تعرضه على القطريين هو، طبعاً، بديل لدور السعودية ودول أخرى أعضاء في مجلس التعاون. وموّل الاتحاد الأوروبي لهذا الغرض بعض المنظمات العربية غير الحكومية التي تنتقد موقف السعودية بهدف الإشارة إلى انتقادات محلية لتجنب الاتهامات (المشروعة) بالتدخل الشمالي. وسيكشف الوقت إن كانت قطر ستتحرك أبعد أكثر عن الموقف السعودي وتلعب دوراً "قيادياً" آخر في المنطقة، وهو دور أصبح أكثر إثارة للجدل منذ بدء الانتفاضات العربية. فالسياسة الإستراتيجية القطرية أصبحت أكثر تعقيداً خلال السنوات الكثيرة الماضية، وتكمل محاولاتها لفرض نفسها سياسياً (وعسكرياً أيضاً منذ بدء الانتفاضات العربية) في المنطقة، محاولتها أن تصبح سمة عالمية من خلال استضافة الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة في شأن تغيّر المناخ ومباريات كأس العالم في كرة القدم. باختصار، تحاول قطر جعل نفسها غير قابلة لأن يستَغنى عنها، ليس فقط لجهة الأمن بالنسبة إلى دول غربية أساسية (مثل الولايات المتحدة)، بل كذلك لجهة التمويل بالنسبة إلى شركات ومؤسسات متعددة الجنسيات تتخذ مقرات في الشمال. وهي تأمل في أن تحميها روابط مؤسسية واقتصادية وأمنية عميقة كهذه مع الغرب (وبالتوازي مع الصين) من قوى إقليمية مهيمنة مثل السعودية وإيران.

خلاصة: تناقضات الدوحة

ولجهة الأكثر إثارة للاهتمام، ربما، تجدر الإشارة إلى تناقض واضح سيلعب دوراً إذ تستضيف قطر الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة في شأن تغيّر المناخ هذا العام. فمن جهة، هناك الدوحة كموقع لمفاوضات الاتفاقية والتي تهدف فعلاً إلى تصحيح مائتي سنة من التأثير السلبي في المناخ والعلاقات الاجتماعية والذي أطلقه التصنيع الأوروبي والعمليات الاستعمارية والعقيدة الاستهلاكية التالية التي رافقت هذا التوسع الرأسمالي من خلال العولمة اللبرالية الجديدة. وهذه العملية التاريخية التي تستبطن الدعوى الشرعية الأساسية لجنوب العالم بأن للشمال مسؤولية أساسية وتاريخية لتنظيف الفوضى التي تسبب بها (ودفع ثمنها) من دون إضعاف قدرة الجنوب على التقدّم. وثمة نقاشات تتزايد حدة حول الحاجة إلى شكل جديد من حماية البيئة يقوم على نموذج اقتصادي واجتماعي معدّل يجب بناؤه لكي يستمر كوكب الأرض بعد القرن المقبل في ظل الارتفاع المستمر في المعدلات العالمية للسكان وأنماط الاستهلاك.

من جهة ثانية، هناك الدوحة كموقع ونموذج للاستهلاكية والاستهلاك، والتي تمثّل أشكالها الاقتصادية والاجتماعية من الحوكمة – ناهيك عن طفرتها العمرانية وثقافة المراكز التجارية الخاصة بها الكثيفتي الاعتماد على الطاقة – نقيضاً للأشكال الجديدة المتخيلة من حماية البيئة. فلجهة حصة الفرد، لقطر وجاراتها في مجلس التعاون المعدلات الأعلى في العالم لاستهلاك الانبعاثات، والأثر البيئي الأكبر. ووفق تقرير، تتحمل السعودية مسؤولية 28 بالمائة من انبعاثات المنطقة، على الرغم من أن سكانها يمثّلون سبعة بالمائة من الإجمالي، وهي تنتج انبعاثات كربونية أكثر من بلدان مثل فرنسا التي تملك أكثر من ضعفي عدد سكان السعودية، والبرازيل التي تملك تقريباً ثمانية أضعاف السكان. وتعزز هذه الأنماط أكثر في البلدان الأكثر اعتماداً على النفط في المنطقة من خلال تصدير الريعية، والنتيجة أن انبعاثات الكربون للإنسان العربي المتوسط ستفوق قريباً المتوسط العالمي (في قطر، يساوي المتوسط 12 ضعفاً المتوسط العالمي). وارتفع استهلاك الطاقة في الدول العربية أكثر من الضعفين منذ نهاية الحرب الباردة، ويُتوقَّع استمرار هذا الاتجاه فيما الطلب الرئيسي المتوقع على الطاقة ينمو بحوالى ثلاثة بالمائة بين 2005 و2030، ما يفوق أي منطقة أخرى في العالم، باستثناء الصين والهند. ويصبح هذا التناقض بين الدوحة كموقع للإنقاذ من تغيّر المناخ ولحماية جديدة للبيئة، وبين الدوحة كمثال على الاستهلاك والاستهلاكية، أكثر بروزاً مع ملاحظة أن المواطنين القطريين يمثّلون أقل من 13 بالمائة من إجمالي سكان قطر، وأن كثيرين من الباقين عمال فقراء ومحرومون جداً أتوا من جنوب آسيا.

وفي نهاية المطاف وفيما أشار أكاديميون مختلفون، مثل أحمد كنّا من جامعة الباسيفيك، إلى أن قطر ومجلس التعاون والمنطقة العربية عموماً، يجب أن تُنظر اليوم في سياق صراع تاريخي بين تشكيلات اجتماعية وسياسية مهيمنة (عززتها البنى الاستعمارية والاستعمارية الجديدة) وحركات إصلاحية في المنطقة تسعى إلى أشكال أفضل من الحوكمة ومجتمعات أكثر عدلاً. وأطلقت الانتفاضات العربية الموجة الأخيرة من الحركة الإصلاحية عبر المنطقة، وهي حركة تقوم (جزئياً على الأقل) على الإمكانية الثورية للتغيير الديمقراطي والعدالة الاجتماعية الحقيقيَّين. وقمِع هذا الاحتمال إلى حد كبير الآن إذ تتحرك قوى رجعية كبيرة للحد من التغيير الاجتماعي ذي المعنى. ومع الوقت وفيما تعيد الحركات الاجتماعية في المنطقة نفسها لتنظر في إستراتيجيات بعيدة الأجل، يمكن لشكل جديد من حماية البيئة أن يتجذّر، وهو شكل يمكن أن يتحدى في شكل حقيقي النظام الاجتماعي – الاقتصادي والسياسي القائم على غرار حركات مماثلة عبر المنطقة والعالم. وحتى ذلك الوقت، يمكن تحسين السمة القطرية كثيراً إن تمكنت في شكل ما من أن تنتزع بلطف من الدول الأعضاء في المؤتمر الـ18 للأطراف التزاماً بأهداف ملموسة قريبة وبعيدة الأجل لخفض كبير في الانبعاثات العالمية للكربون وتمهيد الطريق لنظام ذي معنى لتغيّر المناخ تالٍ لكيوتو.

0 Comments

أضف تعليقاً

أضف تعليقاً