من يوميات شهيد

من يوميات شهيد

من يوميات شهيد

"أكتب المسودات على عجل وأحتفظ بها

علّ فرصة بين حصارين تسمح لي أن أرسل لكَ ما كتبتُ"

خضر الدعار

هكذا يفتتح الشهيد خضر الدعار إحدى رسائله (يومياته) وللشهداء أكثر من حقّ علينا، أقلها أن تصل كتاباتهم إلى الناس، الكتابات التي انعجنت بدمائهم ولم تكن البلاغة مجرّد زركشة لفنون القول، الموت جالس على يمينهم ويسارهم، من خلفهم وأمامهم، يشاطرهم لقمة الخبز وقدح الشاي ويتصيّد أحلامهم حين تغفل أعينهم قليلا.

كنتُ قد اتفقت مع الشهيد على أن يكاتبني بما يشبه اليوميات، لهذا كانت رسائله تدويناً لحياة لم نعشها نحن الذين في الخارج، حياة على درجة من الدفء كافية ليستعيد الإنسان فينا، ذلك المعنى للثورة التي نصّبناها سيدة لزماننا الذي فعلنا من أجله ما استطعنا ذات يوم، وكان الشهيد أحد من حاول معنا قبل أن يكون الشهيد الشاهد على "قيامة الدم السوري"

هذه الكتابات جاءت من رحم يحتضن المستقبل، تنبض فيه أحلامنا ونسمع دقات قلوبها، جنين حيّ في أحشائها، من أسمائه الحُسنى الكثيرة: الحريّة.

فواز

" أخيراً تخرّ المعجزات صاغرة، أخيراً يرفع المستحيل يديه مستسلماً،

أخيراّ نغادر خوفنا ونطرد موتنا، لنلتحق بقافلة الحياة.

رغم كل ما نسمع وما نرى، رغم خوفنا الذي توارى خلف سواتر الحارات المقامة على عجل والسهر على ألاّ تطال المجنزرات أحلام أطفالنا، رغم الطلاق البائن بين جفوننا والنوم، رغم أصوات الطلقات العمياء، لازلنا نطلق النكات ونبتسم. نصر على ألا نلتفت لصرخات موت يدق أبواب أرواحنا في كل لحظة، نتجوّل في الحارات، نتفقد ما تبقى من الأصدقاء، نعزّي أهل من سبقنا بانتظار دورنا الذي قد تختصره رصاصة طائشة أو مبصرة! لكنّ الأكيد،حين نموت، سنموت بأعين أكثر اتساعاّ على فجر يوغل في دلاله. دمنا الواضح كطفل يتأرجح وصدورناالعارية كالحقيقة، سيشهدون أنّ أحلامنا كانت أقوى من الرصاص."

خضر الدّعّار

"كانوا يتصورون حين أوحى لهم خيالهم المريض إذا رفعوا جرعة الموت قليلا.. قد يستطيعون بتلك الجرعة إرهابنا ولكنهم فشلوا وسيفشلون ولأننا تجرعنا موتهم منذ أربعين عاما.. تجرعناه بكل النكهات..وعرفنا كل أشكاله.. بدءاً بالإهتراء في السجون.. وحتى آخر صرعة من صرعات القتل.. ولأننا لم نشهد يوماً غير القتل فقد فشلوا.. ولن يستطيعوا مصادرة حريتنا بالقتل بعد اليوم ولا كرامتنا التي استعدناها منهم، وما سنسرده من وقائع يؤكد ذلك : في تلك الليلة وذلك اليوم وحين جاء دور دير الزور في نيل نصيبها من مجازر لجنة المراقبة العربية .. في تلك الليلة حين كانت الدير بحاراتها المشتعلة وبشبابها الذين هتفوا الموت ولا المذلة.. شبابها الذين لم يناموا كي لايفوتهم قطار اللجنة العمياء العرجاء..في تلك الليلة المؤامرة، كانت الدير على موعد مع المجزرة التي تم تحضيرها استقبالا للجنةٍ المراقبين العمياء.أبسط ما يقال عن قدوم هذه اللجنة المزيد من الموت للمدن التي تستقبلها!

في تلك الليلة كانت كل الأشياء مختلفة .. الهواء .. الشوارع .. البيوت .. المارة الذين يتحركون بوجل وعجل .. الوجوه المطمئنة والواثقة تلك الثقة التي تلونها بعضا من خيوط الخوف والترقب.. العيون، تلك العيون اليقظة والمتوثبة والتي تقرأ الإصرار فيها..الابتسامات المختصرة والوادعة.. اللقاءات السريعة والخاطفة لرسم خطة هنا وإغلاق ثغرة هناك.. تغطية كل الشوارع التي يمكن للجنة المرور بها .. رغم الإدراك المسبق لما يحصل من موت واعتقال.. لكن الإصرار البادي للجميع أن اللعبة لم تنتهي بعد.. وأننا الأجدر والأنجح بلعبة الموت من أجل الحياة .. الحياة الحرة الكريمة وبأبسط أشكالها..فلا طمع لدينا بأكثر من ذلك. نتصيد اللجان الأشباح في كل زاوية.. علنا نلتقي بشريف فيهم نأتمنه على أوجاعنا .. نأتمنه على جزء من وثائق جراحنا وشهدائنا ومعتقلينا.. كنا نراهن على أن نجد من يصغي لنا (كأنور مالك ) وكان الجميع مستعدا لإيصال حقيقة ما يجري وتحت أي ثمن..على أن نوثق كل خطوة حتى ولو كان ذلك على دمائنا.. فقط كنا نريد أن ننقل للآخر جزءاً من وقائع ما نعيشه بحيث لا يستطيع أن ينكر ما يرى وتحت أي ظرف كان ولم يخطر ببال أحد أن الفخاخ قد أعدّت وبتنسيق مع بعض أعضاء اللجنة ولن أقول الجميع إكراما لأنور مالك.. الذي فضح ما يحضر لنا ولكن بعد فوات المجزرة!

هرع الناس جميعا الى الأماكن التي كان من المفترض على اللجنة زيارتها..وهناك، هناك في الشوارع العريضة والساحات (وخصوصاً شارع حسن الطه المؤدي الى ساحة الحرية ) كان بإنتظارنا الرصاص بدل المراقبين، أبناء الفرات صرعى.. هذا بطلقة غادرة في الصدر وذاك بشظية في الخاصرة.. وووووووو... إلى آخر الدماء!!!

ولم تغادر شمس الظهيرة الى مغربها، إلا وغادرت معها أرواح ثلاثة عشر شابا.. رشّحوا أنفسهم ليكونوا في قافلة الدم التي ستستعيد الكرامة التي هدرتها السلطة طوال هذه السنين.. لم يتفاجأ الجميع بما حصل ..لكن المفاجئ هو توقيت المجزرة! المجزرة التي راحت ضحيتها أيضاً مصداقية اللجان وهيبة القرارات الدولية! وهاهي دير الزور تحتضن جرحاها وتخبئ شهداءها في البيوت..رغم كل الظروف.. رغم هيبة الموت وسطوة الرصاص.. تضمّ شهاءها رغم تقطيع أوصالها على مرأى ومسمع المراقبين الذين كانوا يلتهمو الكباب الديري وشرب ماء الفرات.. وناموا هانئين في فنادقنا على على دماء ولعلعة الرصاص في كل مكان. دير الزور تقف على خط النار عارية إلا من حناجر لم ولن تمل الصراخ "الموت ولا المذلة "صرخات خارجة من صدور لم ترهبها سطوة الموت وقسوة الجلاد.

في دير الزور هذه الليلة.. الصدور عارية تفتح شهية الرصاص..في كل حارة شهيد وفي كل زاوية جريح.. في دير الزور طُوّقت كل المشافي كي يُمنح الموت فرصة التشفي بالجرحى والتهامهم ! في دير الزور المشافي الميدانية التي أقيمت على عجل تعج بالجرحى الهاربين من موتهم.. الجرحى الذين فضلوا نزف الجراح وألمها.. ذلك الألم الذي ينيخ الجِمال. ليتفادوا موتهم الثاني والأبشع في حال وصلت إليهم أيادي عصابات الأسد المجرمة، الجرائم التي لم يعرف التاريخ السوري لها مثيلاً!!"
----------

خضر الدعار

[1] الشهيد خضر الدعار هو : رئيس الجمعية الفلكية السورية بالمنطقة الشرقية، كما كان أحد أبرز الإعلاميين المحليين خلال الثورة. توفى في دير الزور نتيجة القصف المدفعي من قبل النظام السوري على المدينة.

0 Comments

أضف تعليقاً

أضف تعليقاً