تأثير الفن على الحراك السوري فنون الثورة غير (ملتزمة)

تأثير الفن على الحراك السوري فنون الثورة غير (ملتزمة)

تأثير الفن على الحراك السوري فنون الثورة غير (ملتزمة)

الفنون التي برزت أثناء الثورة السورية لا تنتمي إلى الفن السياسي الملتزم الذي طبَّع ذاكرة السبعينيات والثمانينيات في التاريخ العربي. قد يبدو هذا الاستهلال مفاجأ للبعض لاسيما وأن الفنون التي أبدع السوريون في إنتاجها خلال ثورتهم كانت موجهة تحمل دائماً هدفاً وقضية.

إلَّا أن الفن الملتزم الخارج من رحم الأيديولوجية والمرتبط بالمناسبات الوطنية، والمصنوع من الشعارات واللغة الحماسية، لا إشارات لحضوره في الثورة السورية. الذي ظهر في الواقع، بين الأزقّة والساحات الضيقة، فنٌّ متخفف من الأيديولوجية يتعاطى مع القضايا الوطنية بوصفها أداة لنيل الحرية وليس بوصفها قضايا ماهوية مكتملة البناء والهدف. القضية ليست الحرية، إنما السبيل نحوها. قد تكون هذه الحقيقة مجالاً رحباً للدخول في عوالم الفنون السورية خلال فترة الثورة التي ما زالت جذوتها متّقدة

قامة " مارسيل خليفة و"حنجرة" ابراهيم القاشوش

بين "أغنية منتصب القامة أمشي" التي طالما أنشدها الفنان مارسيل خليفة في ساحات النضال والمقاومة لتصبح لازمة غنائية تختزن في طياتها العواطف والاهواء والمخيلات المجيدة، وبين أغنية " يلا إرحل يا بشار" التي أنشدها المغني الشعبي إبراهيم القاشوش خلال تظاهرات مدينة حماه ضد نظام الرئيس بشار الأسد، تتقاطر العديد من الفوارق متجهة بنا نحو مسلك مختلف عن ذاك الذي رسّخه خليفة وأبناء جيله فيما يخص الأغاني الوطنية.

"تنتصب القامة" في أغنية مارسيل خليفة و يرتفع "النعش" على الكتف ويقبض "الكف" على غصن زيتون ويصبح "القلب" أحمر و بستان. رغم الصلة الوثيقة التي تربط هذه الأغنية بسياقات المقاومة الفلسطينية ضد الإحتلال الإسرائيلي فإن إغتراباً نفسياً ما يظهر في تحليل كلماتها، قد يكون سبب هذا الاغتراب العجز الذي تبديه اللغة في القبض على حرارة الشعور الوطني و لحظويته. الأغنية الخليفية تتحدث لغة عامة وتستخدم مفردات واسعة "زيتون ، قلب، نعش، قامة " دون أن تحدد بوضوح ودقة من هو منتصب القامة؟ من هو الذي يرفع النعش على كتفه، من هو صاحب القلب الاحمر؟ واقع الأمر أن مارسيل خليفة حين يغني هذه الأغنية يطغى بذاتيته العاطفية على هذه الاسئلة مقدماً الأغنية إلى الشهيد أو إلى المقاوم على الجبهة كابحاً بذلك الرغبة المعرفية في التفتيش داخل ثنايا ما يقول. العمومية والكلام الفائض لا يطبّع فقط أغنية "منتصب القامة أمشي" بل إن معظم أغاني ما سُمّي بالفن الملتزم حملت هذه السمات. امتزجت الأوهام والأحلام الطفولية بالاستعارات والرموز والكنايات، الأمر الذي جعل هذه الأغاني تساهم من دون أن يدري صُنّاعها بتوليد وعي زائف، يخدع المتأثرين به ويؤدلجهم بطريقة سلبية.

حين ينشد ابراهيم القاشوش أغنيته "يلا إرحل يا بشار" يتجنب العمومية ويحدد، خصمه بالاسم، بشار الأسد. الوضوح هو أحد الفوارق الرئيسية بين الفن الملتزم وبين ذاك الذي تنتجه الثورة السورية. صحيح أن العدو كان واضحاً في أغنيات مارسيل خليفة، لكنَّ وضوحه كان كلياً عاماً يفتتقر إلى التفاصيل. يمكننا أن نقول للقاتل أنّه قاتل لكن المقولة الأقوى ستكون بالطبع، كيف يمارس هذا العدو فعل القتل؟ هذا تحديدا ما فعله القاشوش. يتابع المغني الشعبي في أغنيته "يا بشار و يا جرثومة أقوالك ما نها مفهومة، أخبارك أخبار البومة.

يلا إرحل يا بشار" الكلمات هنا لا تسبح بالاستعارات اللغوية ثمة شخص محدد تتوجه نحوه. أكثر من ذلك، الأغنية تلمِّح عبر المقطع السابق عن الغموض الذي يعتري خطابات الرئيس والأخبار السيئة التي تخلفها سياساته الإجرامية. مما يدفعنا للقول أن أغاني الثورة السورية مقارنة بأغاني الفن الملتزم لا تكتفي باتخاذ موضوعاً لكلماتها وألحانها لكنها أيضا ترسم سياق لهذا الموضوع يحمل غالبا مضموناً سياسياً. إضافة إلى أن الثبات الذي تبديه أغاني الفن الملتزم والمتأتّ من جاهزية الكلام ونهائيته، تقابله أغاني الثورة السورية بمرونة كبيرة. القاشوش يتلاعب بأغنيته وفقا للسياقات التي تمر بها الثورة. حين خرج بشار الأسد في خطابه الأول أمام جلس الشعب ليقول للعالم أن هناك مؤامرة ضد سوريا لم يتأخر القاشوش بالرد "يا بشار و يا كذاب تضرب أنت وهالخطاب، الحرية صارت عالباب. يلا إرحل يا بشار."

إلى ذلك، فإن عمومية الفن الملتزم وجاهزية كلماته واتساع قاموس استعاراته جعل فاعليته وحجم تأثيره على الناس ينحصر بالتعبئة. صحيح أن الكثير من الأغاني الوطنية بقيت حاضرة داخل اللاوعي الجمعي عند شريحة كبيرة من المجتمع العربي، لكنها كانت منفصلة عن سياق القضايا وأحداثها الحارة، تُردد في جميع المراحل والحقب، تعبّئ وتحشد، لكن فاعليتها في حدثية النضال وارتباط سياقها به، تبدو منعدمة. لعلَّ أغاني الثورة السورية تبدو أقرب إلى وجدان جماهيريها فالأحداث هي من صنع هذه الاغاني، ليست اللغة و مجازاتها. الأمر الذي يجعل تأثيرها أقوى .

نزع القداسة

إضافة إلى ذلك، فإن طغيان الطابع اليومي والحدثي على مفردات الأغاني التي برزت في الحراك السوري، جعلت هذه الاغاني في منأى عن الأيديولوجية التي طبَّعت الفن الملتزم وأدخلته عُنوة في دائرة المقدس. اليومي هنا هو النقيض من الأيديولوجي، المرونة في مواجهة الصلابة. واقع الحال فإن سيطرة الأيديولوجيا بتنويعاتها الحزبية على أناشيد الثورة العربية–الفلسطينية، حوّل هذه السيطرة إلى استبداد يبعد الفن الملتزم عن النقد ويدرجه دائما في دائرة الصواب مهما كان رديئا. على مدار عقود جعل الكثير من المسرحيين والفنانين والمغنين من أنفسهم رهبان في محراب القضية، يحيطون أنفسهم بهالة من الحقيقة المطلقة ولا يقبلون أي رأي أو انتقاد.

قد يقول قائل أن المقارنة بين مارسيل خليفة وابراهيم القاشوش لا تصح لغرض استنتاج أفكار مثل التي وردت سابقاً. فخليفة هو ابن مرحلة اتسمت جميع مفاصلها بتجليات الصراع العربي الإسرائيلي، مما جعل الغناء السياسي ينحو إلى التنميط والتشابه وتكرار كلمات شعاراتية عامة. أما ابراهيم القاشوش ينتمي إلى مرحلة مختلفة أبرز ملامحها البساطة والتعبيرعن الأفكار بوضوح وصدق. عند سطوع هذه المقاربة يبرز بسرعة اسم سميح شقير.

ياحيف....

الفنان السوري القادم من تراث غنائي وموسيقي ملتزم يتقاطع بشدة مع تراث مارسيل خليفة مضموناً وشكلاً (حتى إن الإثنين غنيا لمحمود درويش(، غنّى ولحن للثورة السورية المندلعة في بلاده باسلوب مختلف، يتفارق مع ذاك الذي كان يمارسه سابقاً.

نلحظ ذلك بوضوح حين نقارن بين أي أغنية من أغنيات شقير السابقة وبين أغنيته الشهيرة "يا حيف" التي خصَّ بها الثورة السورية واعتُبرت الأشهر بين أغنيات الحراك السوري. لقد استخدم الفنان الملتزم مفردات عامة ومجازات واستعارات غائمة في أغنياته، كما أعتمد على ألحان ثورية صاخبة. يتكشَّف لنا ذلك، حين نسمع أغنيته المعروفة عن مجزرة صبرا وشاتيلا وهي تحمل العنوان نفسه و يقول مطلعها "بيروت بيروت المجزرة الكبرى ودم/الأطفال نبيذ في الأرض السكرى/ دخل النازيون شاتيلا وصبرا". لو قارنا هذه الأغنية مع أغنية يا حيف التي أطلقها شقير في بدايات ثورة الشعب السوري سنلحظ فروق متشابهة مع تلك التي تم رصدها خلال مقارنة أغنيتي القاشوش ومارسيل خليفة التي أدرجناها في بداية المقال.

شقير يلاقي القاشوش في الوضوح

انشد شقير أغنيته هذه، بعد أحداث درعا بفترة وجيزة. جاءت طازجة حارة خالية من الاستعارت والتشبيهات تكتفي بالتوصيف والتسجيل وتحدد المجرم. تحت تأثير إطلاق النار من جانب الأمن السوري على المتظاهرين السلمين في مدينة درعا جنوب سوريا، يقول شقير "يا حيف آخ و يا حيف، زخّ رصاص على الناس العزّل يا حيف". يتابع عن الأطفال الصغار الذين انتُزعت أظافرهم عقاب على كتابتهم شعار "الشعب يريد إسقاط النظام " على جدران مدرستهم "وأطفال بعمر الورد تعتقلن كيف/وأنت ابن بلادي تقتل بولادي، وظهرك للعادي وعليي هاجم بالسيف، يا حيف يا حيف".

نتبين هنا، أن الفنان المتحدر من مدينة السويداء السورية يتقصد تبسيط أغنيته ووضوحها ليكون مفعولها أعمق وأكثر جاذبية. الكلمات لا تنسج كلاما نضالياً عاماً يتغنى بالوطن والشهادة كما في الأغاني السابقة. الكلام هنا توصيفي يشرح ما حدث دون أي زخرفة شعرية أو تفخيم بلاغي. يُكمل شقير أغنيته وكأنه يروي قصة ملحميَّة "سمعت هالشباب يما الحرية عالباب يُمَّا.. طلعوا يهتفولها، شافوا البواريد يُمَّا قالوا إخوتنا هن.. ومش رح يضربونا، ضربونا يُمَّا بالرصاص الحي، متنا بإيد إخوتنا، باسم أمن الوطن، وإحنا مين إحنا، واسألوا التاريخ، يقرا صفحتنا".

في بداية المقطع الأخير يمكننا تلمّس أحد مرجعيات أغنية شقير، وهي الشعارت التي يتم تداولها في المظاهرات المنددة بالنظام الحاكم. إذ أن الأغنية تستخدم شعار " الي بيضرب شعبو خاين " الذي استخدمه الشعب رداً على إطلاق الرصاص ضده من قبل قوات الأمن السورية. فيقول "مش تاري السجان يُمَّا كلمة حرية وحدة.. هزتلو أركانو، ومن هتفت الجموع يما أصبح كالملسوع يُمَّا.. يصلينا بنيرانو، وإحنا للي قلنا للي بيقتل شعبو، خاين. يكون من كاين".

وعلى الرغم من أن الفنان سميح شقير يختتم الأغنية بجرعة أمل للشعب السوري الثائر إلا أنه لا يسقط بالتعبئة التي كان يتعمد عليها بشكل رئيسي في أغنياته خلال مرحلة الفن الملتزم "والشعب مثل القدر، من ينتخي ماين، والشعب مثل القدر، والأمل باين، يا حيف يا حيف." واقع الحال، فإن وضوح شقير في أغنيته يا حيف يلاقي وضوح القاشوش. هو أيضاً، يسمّي القاتل ، لكن هذه المرة عبر سرد ما حصل وتحديد موقف سياسي منه.

النخبوية والإلتزامية:

صانعوا السينما والمسرح والأغنية والتشكيل وربما الكتابة. وجدوا أنفسهم فجأة أمام برك من الدماء ليطرحوا من جديد سؤال الفن، أهدافه وغايته. الهاجس الأبرز كان، أيُّ فيلم أو أغنية أو قصيدة أو مسرحية يمكن أن تنتج إبداعياً في بلد يسقط فيه يوميا أكثر من مئة شهيد. في الحقيقة، الثورة هزّت مفهوم الفن بمضمونه الذي كان سائداً في سوريا. الفن النخبوي المستقيل من الشأن العام، المسجون في الصالات المغلقة والمسارح المسقوفة والمقاهي المخصصة للمثقفين، بات يواجه بشدة سؤال الشارع المنتفض. خلال عقود مضت بقي الفن أسير النخب، تصنعه وتنتجه وتشاهده وتستهلكه. المجتمع الذي تم إفقاره وتدمير طبقته الوسطى ابتعدعن الفن ونشاطاته القليلة. والمفارقة أن بلداً مثل سوريا، يحكمها حزب عقائدي إيديولوجي يحتكر الثقافة والفن ويفرض وجهة حزبية لهما ويسعى إلى توظيفهما لبناء شعب عروبي قومي موحد، انتهى به المطاف وربما المطافات القاتمة إلى مسارح مهجورة وصالات سينما تلعب بها الفئران وبعض المقاهي التي يرتادها المثقفون. وشعب يلهث وراء قوته اليومي دون توقف.

قد تخدع الناظر إلى دمشق مشهد بعض صالات السينما الفخمة ودارالاوبرا، ومسرحية هنا أو أمسية شعرية هناك. لكن الحال الثقافي في سوريا وأطرافها تحديدا يخفي خراب عميم.

الثورة في أحد وجوهها جاءت لتنزع طبقة التكلس عن الفن السوري بوصفه مفرزا من مفرزات الثقافة المدجّنة. لقد تخلى الفن عن نخبويته، لم تعد مادته الأولية تُستقدم من اللغة والمخيلة والأشكال التعبيرية السابقة. ثمة مرجعية جديدة فرضت نفسها بشدّة، الشارع. المتظاهرون الذين كانوا يمضون أوقات طويلة في ساحات التظاهر، كانوا يبرعون في إنتاج أشكال جديدة من التعبير عن رفضهم للنظام الحاكم . لقد اختزنت هذه الأشكال أنماط متنوعة من الفنون. الشعبية والمعاصرة، التقليدية والحداثية. الثورة أخرجت الفن من الغرف المغلقة حوّلته إلى أداة في متناول الناس يتعاملون معه بطريقة مركبة، تارة ينتجونه وأخرى يتفاعلون معه وفي كلتا الحالتين، ثمة حال من التحرر مسّت الفن وكذلك صانعيه. لكن الدلالة الأبرز والأهم لموضوعنا تتكثف في انعدام مشاركة الشعب خلال مرحلة الفن الملتزم واقتصار تمثيل هذا الفن على بعض الرموز. أما الثورة السورية ( ذات الطابع الفني غيرالملتزم) تماهت مع مشاركيها بالمعنى الفني، وفتحت الفضاء للجميع ليشارك في صناعة اللحظة الثورية غناءً وعزفاً وهتافاً وشعراً.

خلاصة

إدراج هذه المؤشرات للتدليل على خلو الأغاني والفنون الثورية، من الالتزام. يهدف إلى نسج جانب جديد من جوانب التفارق بين مرحلة مؤدلجة صاخبة بالشعارات، مطلقة وثوقية، ومرحلة ارتجالية تصنع نفسها بنفسها دون غرور أو إطلاق. وبالعودة إلى مقاربتنا الأولى في هذا المقال، فإن " قامة " مارسيل خليفة لم تعد منتصبة، لقد انحنت مرات كثيرة أمام اشتراطات السوق وإغراءاته. الفنان الذي حرّر موسيقاه من التنميط النضالي أصبح في مكان آخر. أما حنجرة ابراهيم قاشوش التي أنشدت " يلا إرحل يا بشار" فقد اقتُطعت على يد الأمن السوري.

بين "القامة" التي انتصبت مجازا في زمن المتاجرة بالقضايا و"الحنجرة" التي ذبحت واقعيا في سبيل تحديد القاتل بوضوح. هناك فوارق كثيرة ستتكشف تباعاً كلَّما تجذرت الثورة أكثر وأنتجت فنونا وأغان تُصاحب هذا التجذر.

0 Comments

أضف تعليقاً

أضف تعليقاً