الهدن، أداة للسلام أم مسكن للألم؟ روايتي شوربة الحجر

الهدن، أداة للسلام أم مسكن للألم؟ روايتي شوربة الحجر

إمرأة سورية تجلس أمام منزلها بينما يتّخذ مقاتلوا الجيش الحرّ مواقع دفاعية خلال فترة وقف إطلاق النار في أحد أحياء دمشق. 1نيسان/أبريل 2012
إمرأة سورية تجلس أمام منزلها بينما يتّخذ مقاتلوا الجيش الحرّ مواقع دفاعية خلال فترة وقف إطلاق النار في أحد أحياء دمشق. 1نيسان/أبريل 2012 — حقوق الصورة

لا يمكن للهدن- في ظل الوضع الراهن- تحقيق الأهداف المرجوة منها، كما لايمكنها أن تؤدي إلى حل سياسي شامل للصراع في سوريا.

شوربة الحجر، هي قصة تراثية تروي كيف قام مسافرون جوالون بخداع سكان إحدى القرى لتقاسم الطعام معهم. فبعد وصولهم إلى تلك القرية طلبوا من سكانها القليل من الطعام، غير أن جميع سكان القرية رفضوا أن يشاركوهم الطعام، فقام المسافرون بإشعال النار تحت وعاء مملوء بالماء والحجارة وجلسوا حوله. لم يمضي وقت طويل حتى بدء القرويين بالتوافد إلى المكان الذي استقر فيه المسافرون متسائلين عن ما يُطبَخ في الوعاء،  يجيب المسافرون بأنهم يطبخون شوربة شهية، يستفسر القرويين في ما إذا كان بإمكانهم مشاركة الشوربة، فيرحّب بهم المسافرين بشرط أن يقوم كل واحد منهم بإضافة شيء للشوربة لجعل طعمها أطيب. يتزايد عدد القرويين الراغبين بمشاركة الشوربة وبالتالي تتزايد المكونات المستخدمة في الشوربة. أخيراً، يتمكّن المسافرون من طبخ كميّة كبيرة من الشوربة يتشاركها الجميع. سمعت هذه القصة قبل أسبوعين في مؤتمر حول الهدن وبناء السلام في سوريا، حيث كان الهدف منها اظهار أن التعاون يمنح الشعوب حياة أفضل ويعزز السلام بينهم.

إيجابيات الهدن

في هذا المؤتمر قابلت العديد من الخبراء ونشطاء المجتمع المدني السوري الذين تبادلوا وجهات النظر حول بعض الهدن في سوريا التي  شاركوا فيها او تابعوها عن كثب. ذهبت إلى البيت بعد انتهاء المؤتمر مع سؤال واحد أبقى ذهني مشغولاً: ما هو الأثر الحقيقي للهدن على أرض الواقع في سوريا؟ عندما بدأت بمناقشة هذا الموضوع مع أنصار الهدن، إتضح لي أن معظمهم  يعتقدون بأهمية هذه الفكرة لعدد من الأسباب النظرية أهمها: 1) الصراع في سوريا ليس الأول وللأسف لن يكون الأخير، كما أن الهدن تم التوصل إليها في العديد من الصراعات- بكل أشكالها- حول العالم لأن الناس ببساطه لا تستطيع أن تتحارب إلى الأبد، 2) تسمح الهدن بوصول الإغاثة إلى بعض المناطق التي هي بأشد الحاجة إليها، كما يمكن للهدن أن تكون نواة لإيجاد حل طويل المدى، 3) تتطلب الهدن وقت طويل لكي تنضج، لذا حتى إن فشلت الآن، فستستمر بالتطور إلى أن تنجح، 4) وأخيراً، فهي الفرصة الوحيدة لوقف العنف اليومي في سوريا، في ظل غياب أي أمل للتوصل الى اتفاق دولي أو إقليمي في المستقبل القريب.

فكّر مرة أُخرى

على الرغم من أني أُقرّ بالفوائد النظرية للهدن- في حال كانت قابلة للتطبيق- غير أن تحفّظاتي عليها مبنية بشكل أساسي على ملاحظاتي لما يحدث على أرض الواقع، أهم تلك الملاحظات: 1) ما يحدث في سوريا هي صفقات استسلام وليست هدن، 2) الخرق المستمر لشروط الهدن- الذي يتم بشكل رئيسي من قبل نظام الأسد- مما يُفشل الهدن ويؤدي إلى عدم استمرارها، 3) يستخدم نظام الأسد الهدن كجزء من استراتيجيه لتهدئة بعض المناطق بهدف نقل قواته إلى مناطق أخرى ومن ثم  يعود لمهاجمة المناطق الهادئة، أو محاصرتها، أو تجويعها حتى الموت، أو اعتقال سكانها بشكل تعسّفي، 4) غياب وسطاء موثوق بهم، وآليات رصد ومتابعة مستقلة. 5) غياب تدابير لبناء الثقة، 6) عدم وجود تجارب هدن ناجحة يمكن استخدامها كنماذج تحفيز، 7) عدم وجود حل شامل للصراع في سوريا.

مبدأ عدم الايذاء

على الرغم من معرفة أنصار الهدن للمعوقات التي تواجه تطبيقها في سوريا، إلا أن البعض منهم قد يجادل بأن  الخطة السيئة تبقى أفضل من لاشيء، وعليه فإذا استطاعت محاولات الهدن أن تساعد شخص واحد على الأقل فهي أفضل من لا شيء. هذه الحجة صحيحة من حيث المبدأ غير أنها تتناقض مع مبدأ أساسي هام ألا وهو مبدأ عدم الإيذاء. قد يكون من المتوقع للقتال أن يشتد مع بدء المحادثات التحضيرية للمفاوضات، وهو ثمن الناس على استعداد لدفعه عادةً لتحقيق السلام، ولو مؤقتاً، غير أن ما حدث ويحدث في سوريا هو أن الناس يدفعون الثمن الدموي للهدن دون تحقيق أي شيء في المقابل. فالهدن، بشكل عام، أدّت إلى مزيد من القتل، حيث يشتد القتال قبل المفاوضات و يشتد مرة أخرى بعد المفاوضات حيث يحاول كل طرف إعادة الطرف الآخر الى طاولة المفاوضات مع المزيد من التنازلات. ولذلك، من المهم أن نؤكد هنا أنه في بعض الأحيان الخطة السيئة هي أسوء من عدم وجود أي خطة، خاصةَ إذا كانت الخطة السيئة تؤدي إلى مزيد من القتل، و يمكن استخدامها كعذر لعدم البحث عن خطط بديلة، خاصةَ في ظل غياب أي رغبة حقيقية للقيام بذلك.

 المساعدة لاتحتاج للإنتظار

النسخة العربية لقصة شوربة الحجر تختلف كثيراً عن النسخة الغربية، حيث تروي قصة امرأة فقيرة تعيش مع أطفالها الصغار في خيمة، وتعتمد بشكل أساسي على الصدقات والمساعدات الخيرية. وكلّما ضاق بها الحال- نتيجة شح المساعدات- تقوم بإشعال النار تحت وعاء مملوء بالماء والحجارة، لإشعار أطفالها الجياع بأنها تعد لهم الطعام. وفي هذه الأثناء تطلب منهم أن يناموا حتى يجهز الطعام، كما أنها تطلب منهم العودة للنوم كلما استيقظوا متعذرة بعدم جهوزية الطعام، مع الوعد بإيقاظهم عندما يكون الطعام جاهزاً. وهكذا يمر اليوم من دون أن تطعم أطفالها، و تنام أخيراً على أمل الحصول على ما يكفي من المال في اليوم التالي لإطعامهم.

على الرغم من الدور الهام الذي من المتوقع أن تلعبه الهدن- كجزء أساسي من أي حل- إلا أن هذا الدور مرهون بكونه جزء من استراتيجية شاملة لإيقاف الصراع في سوريا. بالرغم من ذلك، لابد من التأكيد على ضرورة تقييم الضرر الذي يمكن أن يحصل في حال استمرارنا بالترويج الأعمى للهدن دون تقييم آثارها السلبية على الجماعات المستهدفة. هذا لا يعني أننا يجب أن نتوقف عن محاولة إيجاد طرق أخرى لمساعدة السوريين- أو تحسين ظروف الهدن لتصبح ناجحة- إلى أن تأتي اللحظة المناسبة لإيجاد حل سياسي شامل وعادل في سوريا.

0 Comments

أضف تعليقاً

أضف تعليقاً