العدالة البيئية النسوية: الأراضي الأميرية في لبنان مثالًا

الأراضي الأميرية

تقارب العدالة البيئية الأزمة المناخية لا بوصفها مشكلة بيئية فحسب، بل كمسألة معقّدة تصبّ في إطار العدالة الاجتماعية، وتضع في صلب نقاشها نتائج هذه الأزمة على الشعوب والجماعات الأكثر هشاشة. من هنا، يعدّ المنظور النسوي للعدالة البيئية تكثيفًا لهذه المقاربة، إذ يستخدم التحليل التقاطعي في مساءلةٍ لموازين القوى والعلاقات المبنية على النوع الاجتماعي والامتيازات المتنوّعة، ويعالج الأسباب الأساسية للأزمة البيئية ليشمل إنتاج الممارسات الاستغلالية للأرض، والطبيعة، والناس، وأجساد النساء، وعملهن وصحّتهن.

تتجاوز العدالة البيئية الحقّ في بيئة سليمة الذي يتطرّق إلى كلّ ما من شأنه أن يؤدّي إلى تفاقم التلوث البيئي، أو أذية الحياة البرّية، أو التأثير على صحّة الأفراد، أو الوصول إلى الأرض وما تقدّمه من موارد طبيعية1. في الواقع، تقوم العدالة البيئية على الاعتراف بأنّ من يدفع الثمن - الأكبر أو الكامل - للسياسات الاقتصادية البيئية وسياسات الأرض، هي الفئات الاجتماعية الأكثر تهميشًا. وبالتالي، يرتبط مفهوم العدالة البيئية بكيفية توزيع الخسائر البيئية، كما يرتبط بالفئات والشعوب والجماعات القادرة على المشاركة في صنع السياسات الموجِّهة للممارسات البيئية، وبالتالي التأثير على حياتها ومعيشتها وأرضها بشكلٍ مباشر.

انطلاقًا من العلاقة الديالكتيكية بين الأرض والنساء والعدالة البيئية، نقدّم في هذا النص تحليلًا نسويًا للعدالة البيئية، ونستخدم الوصول إلى الأرض مثالًا أساسيًا لإيضاح حجّتنا. ونناقش الأراضي الأميرية في لبنان، باعتبارها أحد أنواع الأراضي الذي يسمح بكسر الممارسات الأبوية التي تحول دون وصول النساء إلى الأرض.

الأرض والعدالة البيئية النسوية

هناك العديد من الحقوق الأساسية التي يصبح الوصول إليها صعبًا أو مستحيلًا في حال انعدام الوصول إلى الأراضي، من ضمنها المسكن والغذاء والاستقلالية الاقتصادية. بحسب تقرير للأمم المتحدة عن الأرض وحقوق الإنسان، تُعدّ الأرض مصدرَ رزق بالنسبة لكثير من الناس، ولذلك هي عنصر محوري في الحقوق الاقتصادية. وهي أيضًا تعبير ملموس عن أنماط العيش المتنوّعة لسكّانها ومستخدميها، وتقاليدهم وذاكرتهم وهوياتهم وأساليبهم الاجتماعية والثقافية، وهي بذلك مرتبطة بالحقوق الاجتماعية والثقافية2.

في السنوات الأخيرة، أدّى انعدام السيادة الغذائية والتغيّر المناخي إلى إعادة تركيز الاهتمام على كيفية استخدام الأراضي والسيطرة عليها وإدارتها بما يتعارض مع مصالح الناس وبيئتهم وصحتهم، لاسيّما بالنسبة لمَن يعتمدون على الأرض وسيلةً للعيش والبقاء. 

يعتمد مفهوم العدالة البيئية على ضرورة إزالة هذه النُظم والأدوات والسياسات الاستغلالية التي تهدف إلى تحقيق الربح من خلال الاستغلال والقمع.ويُعدّ الفشل في منع التدهور البيئي عاملًا مقوّضًا للقدرة على الوصول إلى الأراضي، لاسيّما بالنسبة إلى الفئات المهمّشة، ومن ضمنها النساء. لذلك، وبالتالي، تقارب العدالة البيئية موضوع البيئة من زاوية واسعة وشاملة للاستغلال وترفضه، لأنّها تفهم الأرض والطبيعة والبيئة كمركّبٍ حيّ يتقاطع مع وجود البشر وحاجاتهم، وبالتالي مع النُظُم المهيمنة وحاجة رأس المال المستمرّة للربح. فالنظام الذي يستغل الموارد الطبيعية هو نفسه الذي يستغلّ الشعوب المستضعفة، وخصوصًا النساء وعملهنّ وأجسادهن وجهودهنّ، ويفاوض على حقوقهن.

يمكننا أن نرى، من خلال عدسة العدالة البيئية النسوية، كيف تُمنع النساء من صنع القرار في ما يتعلّق بالحبوب التي يزرعنها، وكيف تُسلَب الموارد التي تمكّنهن من العيش في أرضهنّ وزراعتها، وكيف يتحمّلن عبء تأمين الغذاء للعائلة، خصوصًا في فترات القحط والكوارث البيئية.

تُنتِج النساء حوالي 60 إلى 80% من الغذاء في عالم الجنوب، لكنّهن غالبًا لا يملكن الأراضي التي يعملن فيها ويُنتجن منها3. بالإضافة إلى ذلك، يشكّل العمل الزراعي في كثيرٍ من الأحيان جزءًا من العمل الرعائي، ممّا يجعله غير مرئيّ، وغير مدفوعٍ وغير عادل. 

في لبنان، تتعدّد التحدّيات التي تواجه وصول النساء إلى الأرض، سواء في سياقٍ اجتماعي يمنع توريث الأرض للنساء أو يصعّبه، أو في سياقٍ قانوني لا يجرّم هذا المنع. تجد النساء - ولاسيّما في المناطق الزراعية والريفية حيث للأرض قيمة إضافية - صعوبات في الوصول إلى الأرض، حتى تلك التي تكون من حقّهن، بسبب الأعراف التي تنصّ على الاحتفاظ بالأرض داخل العائلة الواحدة، وتدفع باتجاه ممارسات اجتماعية تتعارض مع قوانين الإرث. ويظهر ذلك واضحًا من خلال تسجيل 7% فقط من الأراضي الزراعية في لبنان باسم نساء. لكن في المقابل، يبرز في نظام الأراضي اللبناني أراضٍ أميرية، وهي نوعٌ من الأراضي يجري توريثه بالتساوي بين النساء والرجال، ما يتيح للنساء إمكانية الوصول إلى الأرض بشكلٍ عادل.

ما هي الأراضي الأميرية؟

تعدّ الأراضي الأميرية من بين أربعة أنواعٍ من الأراضي المحدّدة بموجب قانون الملكية العقارية اللبناني، الذي صدر في خلال فترة الانتداب الفرنسي، ولكنّه تأثّر بقانون الأراضي العثماني المعروف بـ«المجلة العثمانية» الذي وضع قواعد التصرّف بالأراضي التابعة للدولة العثمانية – ومن ضمنها أراضي لبنان والمشرق العربي –  حتّى الحرب العالمية الأولى. 

بموجب قانون الأراضي العثماني، فإنّ الأراضي الأميرية هي الأراضي التي تعود رقبتها لبيت المال، أي التي تملكها خزينة الدولة العثمانية، وهي بمعظمها زراعية أو قابلة للزراعة. ولكي لا تُبقي السلطنة على الأراضي الأميرية التي تملكها بورًا، أحالَت أمر زراعتها واستغلالها إلى المزارعين والفلّاحين. واستخدم المشرّع العثماني مصطلح «التصرّف» لوصف الحقّ الذي أُعطيَ للمزارعين في الأرض الأميرية، أي أنه منح المزارعين «حق الانتفاع والاستعمال مجرّدًا من  حقّ الرقبة». وفي هذا الإطار، صُنِّفت معظم الأراضي الزراعية في البقاع وعكار والجنوب المحيطة بـ«جبل لبنان القديم» أراضٍ أميرية، فيما لم ينتشر الكثير منها في نطاق جبل لبنان4.  

لا يزال حق التصرّف موجودًا في لبنان حتى يومنا هذا، وهو حقٌّ عينيّ لا يجري سوى على العقارات الأميرية، ويُكتسب من أفراد أو جماعات ضمن شروط معيّنة وبحسب القوانين والقرارات والأنظمة. يعطي حقُّ التصرّف صاحبَه الحقّ في جميع ما يُنتجه العقار، إذ له أن يغرس فيه ما شاء من الأغراس وأن يبني عليه ما شاء من الأبنية، كما يعطيه إمكانية التنازل عن هذا الحقّ لغيره (التفرّغ) أو توريثه أو تأجيره، إنّما لا يخوّله بيع الأرض ونقل ملكيّتها، فتبقى هذه العملية محصورةً بيد مالك العقار، أي الدولة صاحبة حق ملكية الرقبة في معظم الأراضي الأميرية. 

يُكتسب حقّ التصرّف بمرور 10 سنوات من تاريخ وضع يد فرد أو أفراد على كامل العقار أو جزء منه بصورةٍ هادئة وعلنية، أي إذا قام/ت/وا طوال هذه المدة بحرث الأرض وزراعتها. ويسقط هذا الحقّ في حال عدم زراعة الأرض أو عدم استخدامها لمدة 5 سنوات متتالية، فتعود، في هذه الحالة، رقبةً وتصرّفًا إلى الدولة. 

تشكّل الأراضي الأميرية النسبة الأكبر من أملاك الدولة العقارية. يبلغ عددها حوالى 31,907 عقار في كلّ لبنان، أي ما يعادل 52% من إجمالي أملاك الدولة. تبيّن الخريطة التي أنتجها استوديو أشغال عامة5 بالاستناد إلى بياناتٍ من وزارة المالية، أنّ قضاء بعلبك يضمّ وحده أكثر من 33% من مجمل الأراضي الأميرية، في حين يقع حوالي 23% منها في قضاء البقاع الغربي، و17% في قضاء راشيا، و7% في قضاء عكار؛ ما يعني أن 80% من الأراضي الأميرية يتركّز في أقضية البقاع وعكار التي تشكّل مجالًا زراعيًا بامتياز. إن امتلاك الدولة لهذا المجال الزراعي ساهم في حمايته من مضاربات السوق وعدم تراكمه بيد الأقليّة المقتدرة، ليستطيع ممارسة وظيفته الإنتاجية على الصعيد الوطني والمحلي في ظلّ الاقتصاد الريعي المهيمن.

خطر الخصخصة 

في تموز/يوليو 2020، تقدّم كلٌّ من النائبَين غازي زعيتر وحسين الحاج حسن من كتلة الوفاء للمقاومة، وكلاهما نائبٌ عن بعلبك الهرمل، باقتراحٍ خطيرٍ لدمج الأراضي الأميرية والأراضي المُلك6 وتوحيد نظام الملكية العقارية، وإلغاء حقّ الرقبة العائد للدولة في العقارات المعروفة بالأميرية. 

يمثّل اقتراح القانون هذا خَصخَصةً لأملاك الدولة وتفريطًا بها تحت ذريعة إرساء المساواة بين المناطق وحقّ المُلكية المكرّس دستوريًا، وفق ما يرِد في أسبابه الموجبة، ويؤدّي بالتالي إلى إعادة توزيع هذه الأراضي على حفنةٍ من المالكين بحجّة تلبية حاجات الناس. في الواقع، يحوّل هذا القانونُ التنميةَ إلى خدمةٍ ظرفيةٍ يقدّمها هؤلاء النواب إلى أقلّيةٍ من السكان ذوي مصلحةٍ محدّدة، بدلًا من الاستجابة للحقّ في التنمية المتكاملة7.

فمنذ سنوات، تصاعد خطابٌ عامٌ مفاده أنّ منطقة بعلبك الهرمل تعيش حالةً من الشلل الاقتصادي شبه التام بسبب توقّف أعمال البناء، وأنّ إشكاليّات المُلكية تُنتج شللًا في الحركة الإنمائية والاقتصادية على صعيد التطوير العقاري. وعليه، اقترح نوّاب المنطقة مؤخّرًا قانونًا لتسوية مخالفات البناء، وآخر للضمّ والفرز، بالإضافة إلى اقتراح قانونٍ لتحويل الأراضي الأميرية (المنتشرة بشكلٍ كبيرٍ في قضاء بعلبك) إلى مُلك، ما يوحي بأنهم ينطلقون من فرضيةٍ تفيد بأنّ تحريك الاقتصاد لا يتم سوى بالمضاربات العقارية والتطوير العقاري بمعزلٍ عن الخصائص الاقتصادية للمنطقة وتصنيفات الأراضي فيها. 

ويسدّد هذا القانون أيضًا ضربةً للأراضي الزراعية، إذ أنّ إلغاء حقّ التصرّف يحتّم توقّف عددٍ كبيرٍ من المالكين الجُدد عن استخدام الأرض وحرثها وزرعها، بعكس ما كانت تفرضه على الأفراد شروطُ اكتساب حقّ التصرّف واستمراريته. كما أنّ خصخصة هذه الأراضي ستُطلق حركةَ بيعها وشرائها، وستؤدي إلى تركّزها بيَد قلّةٍ مقتدرةٍ ماديًّا ونافذةٍ سياسيًا ستوظّفها في القطاعَين العقاري والسياحي اللذين لا يقدّمان لِمَن يكون قد خسر إمكانية الوصول الى الأرض إلّا فرص عملٍ تعاقديةٍ هشّةٍ لا تضمن العيش الكريم. 

ويُلحق القانون أيضًا ضررًا بمسألة المساواة في الإرث بين النساء والرجال في المناطق المعنيّة،إذ أن ما يطرحه من إلغاءٍ لحقّ التصرّف واستبداله بحقّ المُلكية يعني حتمًا انتقال حقّ ملكية الأرض/العقار إلى الورَثة وفقًا لقاعدة «للذّكر مثل حظ الأنثيَين»، في حال انتماء الأفراد إلى طوائف إسلامية، أو اتّباع الأعراف الاجتماعية التي تفضّل توريث الذكور، في حال انتمائهم لأديان وطوائف أخرى. بالمقارنة، لا يجري انتقالُ حقّ التصرّف بالأراضي الأميرية وفقًا للشريعة الإسلامية، بل بمقتضى قواعد الانتقال التي نصّ عليها القانون اللبناني المنقول عن القانون العثماني، كون الأرض رقبتها مُلكًا للدولة وليسَت داخلةً في مُلك الأفراد، وبالتالي تتساوى حصة الذكور والإناث في الانتقال.

ومن المهم التنويه بوجود عقاراتٍ من النوع الأميري تكون مُلكية الرقبة فيها مقيّدةً في السّجل العقاري باسم فردٍ أو مجموعة أفراد، وليس باسم الدولة. ويعود هذا الأمر إلى تراكم ممارساتٍ في إدارات الشؤون العقارية تُناقض القوانين مرعيّة الإجراء. ويشمل اقتراح القانون المذكور أعلاه هذه العقارات أيضًا، ويطالب بتحويل تسمية أميري إلى مُلكٍ في السجّلات. لكن في الواقع المُعاش، يتمتّع أصحاب هذه العقارات بحقٍّ لا يختلف بشيءٍ عن حقّ المُلكية في الأراضي المُلك سوى في طريقة انتقال الإرث وتقسيم الحصص بين الذكور والإناث، وبالتالي فإنّ تغيير التسمية سيؤثّر حصرًا على النساء وإمكانية وصولهنّ إلى الأرض.

خاتمة 

تشكّل الأرضُ الحاضنةَ المكانية والثقافية والبيئية والزراعية للشعوب والجماعات، لكنها تكتسب قيمةً إضافيةً لدى النساء والمهمّشات/ين عمومًا، لارتباطها بالاستقلالية الاقتصادية والمكانية والغذائية، ولمساهمتها في صنع أدوات الحماية والاستمرارية والصمود للفئات المضّطهدة.

في هذا الإطار، وعلى الرغم من القوانين الأبوية والممارسات الاجتماعية الميزوجينية8 التي تمنع النساء من الحقّ بميراث الأرض، تكوّن الأراضي الأميرية في لبنان مؤونةً للفئات المهمّشة تسمح بالوصول إلى الأرض استخدامًا وانتفاعًا وتوريثًا.

تقبع هذه الأراضي اليوم تحت تهديد الخصخصة، في ظل هيمنة الفكر الرأسمالي على مقاربة الدولة للأرض والوصول إليها من جهة، وحقوق النساء والمهّمشات/ين من جهةٍ أخرى.

ليسَت الأراضي الأميرية الشكل الوحيد لوصول النساء إلى الأرض أو الموارد الطبيعية، بل نضيف إليها الحاجة إلى تغيير السياسات والقوانين والممارسات الاجتماعية التي تضع الفئات المهمّشة أساسًا في وضعٍ يرغمها على تحمّل تبِعات المشاريع المدمّرة للبيئة، في الوقت الذي تُحرَم وتُمنع فيه من الوصول إلى الموارد والانتفاع منها.

* يستند هذا النص إلى بحثٍ لاستوديو أشغال عامّة بقيادة تالا علاء الدين.


ملاحظة: أُنتِجت هذه المادة بالتعاون مع مؤسّسة هينرش بُل - مكتب الشرق الأوسط. الآراء الواردة فيها تعبّر عن رأي الكاتبتَين ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر المؤسّسة.

العدالة البيئية النسوية: الأراضي الأميرية في لبنان مثالًا