نجح لبنان في تخطي آثار الأزمة الاقتصادية العالمية فهل ينجو اقتصاده من انعكاسات الأزمة في سوريا؟

نجح لبنان في تخطي آثار الأزمة الاقتصادية العالمية فهل ينجو اقتصاده من انعكاسات الأزمة في سوريا؟

نقطة الجمارك في منطقة المصنع على الحدود اللبنانية السورية
نقطة الجمارك في منطقة المصنع على الحدود اللبنانية السورية — حقوق الصورة
 

مقال تحليلي

نجح لبنان في تخطي آثار الأزمة الاقتصادية العالمية فهل ينجو اقتصاده من انعكاسات الأزمة في سوريا؟

قبل سنوات نجحت سياسة مصرف لبنان القاضية بتحويل الجزء الأكبر من أموال القطاع المصرفي اللبناني نحو تمويل المديونية العامة للدولة في تجنيب لبنان تداعيات الأزمة المالية العالمية. ذاك أن الأخيرة نجمت بصورة رئيسة عن التوظيف المفرط في المشتقات المالية المركّبة والرهون العقارية التي حظرت تعاميم المصرف لبنان التعامل فيها.

اليوم يطرح على اللبنانيين تحدٍ جديد. وهو يكاد يكون أشد خطراً من الأول الذي طويت صفحته تماماً، أو تكاد. فإندلاع الأحداث الأمنية في سوريا، بعد تحوّل الحراك السلمي المطالب بالإصلاح إلى مواجهات عسكرية مفتوحة، يطرح على لبنان بمستوياته كافة، الإقتصادية خصوصاً، تحديّات قلّما واجه مثلها في تاريخه الحديث. فسوريا هي الدولة الوحيدة التي للبنان حدود برية عملية معها والبلدان تربطهما علاقات تاريخية وجغرافية وإقتصادية وإجتماعية وسياسية وثيقة، يؤثران في بعضهما بعضاً إلى أبعد الحدود.

منذ آذار العام 2011، وهو الزمن الرسمي لدخول سوريا طور أزمتها المفتوحة، دخل لبنان مرحلة غير مسبوقة من عدم اليقين، معطوفة على أزمة داخلية عميقة كانت شرارتها الأهم لحظة إغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، فضلاً عن الإغتيالات وأعمال العنف الطائفية التي تلتها، والمتوالية فصولها، ولو بتقطّع، حتى تاريخه.

أولى إنعكاسات الأزمة السورية على لبنان تمثلّت بهروب أعداد متزايدة من السوريين المقيمين في مناطق المواجهات العسكرية، حيث دخلوا الأراضي اللبنانية عبر مختلف المعابر الحدودية. فحتى الثامن من تموز من هذا العام بلغ عدد اللاجئين السوريين المسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان ما يزيد على خمسمائة ألف، بينما ينتظر التسجيل حوالي 84 ألف لاجئ[1]. هذا عدا عن العائلات الميسورة التي تسعى للإقامة على نفقاتها الخاصة ولا يشملها التسجيل الرسمي للمنظمة الدولية. 

وبحسب المفوضية الأممية يتوزّع اللاجئون المسجلون لديها على مختلف المناطق اللبنانية،وفي نقاش عام نظمه مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت في حزيران الماضي تحت عنوان "اللاجئون السوريون في لبنان: آثار وتوصيات"، توقعت الممثلة الإقليمية لمفوضية الأمم المتحدة، نينيت كيللي، "أن يصل عدد اللاجئين السوريين الى لبنان إلى ربع عدد السكان اللبنانيين بحلول نهاية العام الحالي".

وقد رتّب التزايد السريع لعدد اللاجئين السوريين في لبنان ضغطاً ديموغرافياً كبيراً على البنية الإجتماعية اللبنانية، المنشطرة طائفياً ومذهبياً. إذ سجّلت إنتهاكات لحقوق السوريين في أكثر من منطقة لبنانية، عكست جغرافية الإنقسام المندلع بين الجماعات الطائفية على خلفية الموقف من النظام السوري ومعارضيه. كما سجل تنامي في الضغط على البنية التحتية، وإن كان لا يزال ضمن حدود يمكن السيطرة عليها[2]، وذلك نظراً لكون الغالبية الساحقة من النازحين تقيم لدى عائلات لبنانية. ويقول وزير المال السابق د. جورج قرم في هذا التدفق للاجئين الى لبنان بأنه "يشكل عبئاً نفسياً على اللبنانيين أكثر منه اقتصادياً ومالياً، وهو يخيفهم لجهة التوازنات الديمغرافية الدقيقة والحساسة بين الطوائف والمذاهب، مع قلق من أن يتحوّل كثر منهم الى مقيمين دائمين." وأكد د. قرم بأن إستقرار مستوى الانفاق يثبت ان لبنان لم يتكلف بالإنفاق على اللاجئين إلاّ ان العبء على الدولة قد يكون في "الضغط الحاصل على المدارس والجامعات الرسمية والمستشفيات."[3] هذا وتحدث إقتصاديون آخرون عن مخاوفهم لناحية إحتدام المنافسة بين اليد العاملة اللبنانية والسورية "الطارئة بسبب الحرب ما سيؤثر على كلفة الأجور بخفضها بنسبة 14 بالمئة."[4]  ومن ناحيته رأى بنك عودة، أحد البنوك الرئيسة في لبنان، في تقرير له صادر عن الفصل الأول من العام 2013 أن اللجوء السوري إلى لبنان ليس ذا طابع سلبي فحسب. فبرأي واضعي التقرير "إن توافد اللاجئين السوريين يشكل دعماً جزئياً للنمو، خصوصاً أن أعدادهم تجاوزت أعداد السياح الذين أضاعهم لبنان. وفي حين أنه من الصحيح أن هؤلاء اللاجئين لا يشاركون سمات الإنفاق نفسها للسياح عامة، إلا أن فترة إقامتهم أطول بكثير من فترة إقامة السياح، ما يوفر دعماً لافتاً لقطاعات مثل استهلاك السلع الأساسية والإيجارات السكنية والقطاع التعليمي".[5]

إلى ذلك، أظهرت إحصاءات الدوائر العقارية بحسب مركز دراسات غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان أن "عدد العقارات التي تملكها السوريون منذ إندلاع الأحداث في سوريا 2010-2012 بلغ 1297 عقاراً مساحتها نحو 117555 متراً في مختلف المناطق اللبنانية. كما ان الطلب على الشقق المستأجرة من قبل السوريين رفع أسعار الإيجارات بصورة ملفتة". يأتي ذلك على الرغم من ان البيانات الصادرة عن وزارة المالية أظهرت ان إجمالي عدد المعاملات العقارية في الثلث الاول من العام 2013 إنخفضت بما نسبته 8.6% مقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي. وأظهرت إحصاءات نقابة المهندسين ارتفاع مساحات البناء المرخّصة في لبنان، والتي تعكس توّقعات مستوى العرض في القطاع العقاري، إلى 1117197 متراً مربّعاً خلال نيسان 2013 مقارنةً مع 839403 أمتار مربّعة في آذار و970566 متراً خلال نيسان 2012. أمّا على صعيدٍ تراكميّ، فقد سجّلت مساحات البناء المرخّصة تراجعاً بنسبة 16.94 في المئة على صعيد سنويّ، وذلك خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام 2013. وهو ما يعني أن اعمال البناء قد تراجعت بالنسبة عينها. ما يعكس الجمود الذي بدأ المطورون العقاريون بالحديث عنه منذ منتصف العام 2011، وصولاً حتى الفصل الاول من العام 2013. بتعبير آخر، أسهم النشاط العقاري للسوريين في تعويض بعض آثار الجمود الذي تسبب به إحجام المشترين العرب، الخليجيين خصوصاً، عن شراء العقارات، فضلاً عن تردّد المغتربين اللبنانيين في الشراء أيضاً، بإنتظار إنجلاء مرحلة عدم اليقين

ارتفاع صادرات لبنان إلى سوريا والمحروقات تشكل 78% منها

بالإضافة إلى ما تقدّم، أسهم إنهيار قطاعي الصناعة والزراعة السوريين في رفع مستوى الصادرات اللبنانية إلى سوريا، ما إنعكس إيجاباً على مستوى عجز الميزان التجاري اللبناني - السوري. ففي نهاية العام 2012، انقلب العجز في الميزان التجاري بين البلدين إلى فائض بقيمة 28.1 مليون دولار. وفي الثلث الأول من العام الحالي بلغ هذا الفائض  209.5 مليون دولار، وذلك نتيجة إرتفاع الصادرات اللبنانية إلى سوريا، وتراجع المستوردات منها. وفي ما عدا العام 2007، سجل الميزان التجاري بين البلدين عجزاً مستمراً لمصلحة سوريا في الفترة ما بين الاعوام 1993-2012. وتراوحت قيمة هذا العجز ما بين 2 و293 مليون دولار[6]. وقد بلغت قيمة الصادرات اللبنانية إلى سوريا نحو 294.3 مليون دولار خلال العام 2012، بارتفاع نسبته 37 في المئة عن العام 2011 حيث بلغت 214.8 مليون دولار.

على ان أرقام الصادرات شهدت نقلة نوعية في الثلث الأول من العام 2013، إذ ناهزت قيمتها في أربعة أشهر تقريباً إجمالي قيمة الصادرات المسجلة خلال العام 2012 برمّته. واحتلت صادرات المشتقات النفطية حوالي ثلثي صادرات لبنان إلى سوريا. وهو ما يعكس تفاقم الأزمة في سوريا إلى حدود غير مسبوقة، بحيث زاد الإعتماد على البلدان المجاورة، لبنان خصوصاً، من أجل تأمين المحروقات. فزادت قيمة صادرات المشتقات النفطية من 144 ألف دولار العام 2011 إلى 61.2 مليون دولار العام 2012. ولا تشمل هذه الأرقام بالطبع قيمة البضائع المُهرّبة بين لبنان وسوريا، بما فيها النفطية، والتي قدّرها الخبير الإقتصادي توفيق كسبار بحوالي 50% من إجمالي التبادل التجاري بين البلدين، وذلك في دراسة له صدرت بالتعاون مع وزارة الإقتصاد في العام 2011 تحت عنوان: "العلاقات الاقتصادية اللبنانية السورية: الوضع الراهن وآفاق المستقبل".

وكانت وكالة الصحافة الفرنسية أشارت بتاريخ 30-5-2013 إلى تراجع انتاج النفط في سوريا الى نحو 20 الف برميل يومياً، من اصل 380 الفاً كانت تنتج قبل اندلاع الازمة في البلاد منتصف آذار 2011. ما يعني انخفاضاً بنسبة 95% وفق تصريح لوزير النفط والثروة المعدنية سليمان عباس لصحيفة "البعث" السورية الموالية للحكومة. كما تراجعت كمية الغاز المنتجة الى النصف، من 30 مليون ليتر مكعب الى 15 مليوناً. واشار عباس الى ان ظروف الأزمة التي تمر في سوريا ادت الى استيراد النفط ومشتقاته، "ما ادى الى تحميل الحكومة أعباء نفطية شهرية تقدر بنحو 500 مليون دولار". بتعبير آخر، تشكل صادرات لبنان الشهرية من المشتقات النفطية إلى سوريا ما قيمته 56.36 مليون دولار ، أي حوالي 11.27 في المئة من مستوردات سوريا الشهرية.

وفي المرتبة الثانية على قائمة الصادرات من لبنان الى سوريا، حلّت منتجات الطحين، والفواكه والثمار والحمضيات فضلاً عن السكّر والمصنوعات السكرية. وزادت قيمة صادرات الطحين من لبنان من 1.3 مليون دولار العام 2011، إلى 7.2 ملايين دولار العام 2012.

وفي ما خص المستوردات من سوريا الى لبنان في الثلاث السنوات الأخيرة، فقد شهدت هي الاخرى تغيراً ملحوظاً، إذ بلغت في العام 2012 نحو 266.2 مليون دولار، بإنخفاض نسبته 14.2 في المئة عن العام 2011 حيث بلغت 310.1 مليون دولار. أما قيمتها في الثلث الأول من العام الحالي، فقد بلغت نحو 79.5 مليون دولار، بإنخفاض نسبته 16.1 في المئة عن الفترة نفسها من العام الفائت.

الأزمة تقفل البرّ

ان إغلاق الحدود اللبنانية - السورية المتكرر أثّر بشكل كبير على حركة الصادرات والواردات عن طريق البر بين لبنان وسوريا أو عبرها الى باقي الدول العربية، وهو الطريق المعتمد الأساس في هذه المجالات. وبحسب أرقام غرفة تجارة بيروت إنخفضت القيمة الإجمالية للصادرات اللبنانية  عبر المعابر البرية السورية بنسبة 26% في الثلث الأول من العام 2013 مقارنة مع الفترة نفسها من العام 2011. هذا فيما تراجعت قيمة المستوردات بنسبة 62 في المئة خلال الفترة نفسها، في حين تراجعت قيمة حركة الترانزيت حتى حدود الصفر في المئة. وقد شكل الإعتماد على النقل البحري تعويضاً معقولاً عن إنسداد المعابر البرية، خصوصاً بعد ارتفاع الكلفة الإضافية على أسعار الشاحنات المحملة بالبضائع من لبنان إلى السعودية بنسبة 50 في المئة ما حدا بالمصدرين إلى البحث عن بدائل أخرى. وقد تبين لغرفة بيروت أن إعتماد السفن التي بإستطاعتها حمل الشاحنات على متنها لنقلها بحراً من لبنان إلى أقرب نقطة في الخليج، ومن ثم إلى المقصد النهائي للشاحنة هي من أكثر الخيارات توفيراً، ما يرفع من كلفة الشاحنة بنحو 11 في المئة فقط. هذا فضلاً عن إرتفاع كلفة بوليصة التأمين. أمّا حركة الترانزيت فقد شهدت إنخفاضاً عبر المعابر البرية من 13 مليون دولار في الثلث الأول من العام 2011 إلى صفر في الثلث الأول من العام الحالي.

وبفعل تذبذب الأوضاع على المعابر البرية ومخاطر السفر البري الى وعبر سوريا كان لقطاع الزراعة اللبناني الحصة الاكبر من التضرر من التطورات الأمنية في سوريا. فنتيجة لارتفاع كلفة التصدير على المزارع اللبناني، خصوصاً بفعل إرتفاع كلفة الشاحنة وبوليصة التأمين عبر البحر مقارنة مع النقل البري عبر سوريا، يعبر كثير من المزارعين اللبنانيين عن معاناة من الكساد لعدم قدرتهم على تصريف منتوجاتهم ولأن الاسواق المحلية غير قادرة على استيعاب الانتاج. وبرزت كذلك أزمة خاصة بالمزارعين القاطنين في المناطق الريفية المجاورة لسورية، إذ حذرت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو) من تناقص الموارد لديهم وشحها الذي يؤدي الى التنافس الكبير عليها. وقال الخبير في المنظمة شاذلي كيولي أن "ارتفاع أسعار العلف والمدخلات الزراعية، بالتوازي مع تراجع التجارة عبر الحدود، يجبران المزارعين أصحاب الحيازات الصغيرة على أن يصبحوا عاطلين من العمل". والى هذا، لحظت المنظمة أن لاجئين سوريين كثر "جلبوا معهم ماشيتهم إلى لبنان، لأنها الموجودات الزراعية الوحيدة التي يمكنهم نقلها"، مقدّرةً عبور "12 ألف رأس ماعز الحدود من سورية إلى لبنان بدءاً من آذار الماضي". وعلى هذا الاساس نبّهت إلى أن "ارتفاع العدد الكبير للماشية السورية في لبنان يزيد خطر الرعي الجائر في المساحات الخضراء وارتفاع أسعار العلف"، كما رصدت «انخفاض سعر الماشية بنسبة 60 في المئة، فضلاً عن خسارة المزارعين السوريين واللبنانيين الذين يعيشون في المناطق الحدودية، إمكان النفاذ إلى الإعانات على المدخلات الزراعية التي كانت متوافرة في سورية قبل الحرب".[7]

المصارف تربح والصناعة مستمرة وحركة الطيران تنشط

وعلى عادته في التكيف مع الأزمات، نجح القطاع المصرفي خلال عامي 2011-2012 في الحفاظ على ربحيته العالية على الرغم من الخسائر التي منيت بها فروع بعض المصارف اللبنانية العاملة في سوريا. إذ وبحسب تصريحات حاكم مصرف لبنان خلال لقائه الشهري مع وفد جمعية مصارف لبنان ارتفعت أرباح المصارف في العام 2012 إلى 1620 مليون دولار مقارنة مع 1580 مليوناً في العام 2011، بزيادة نسبتها 2.6%. وفي اللقاء عينه كشف سلامة أن "زيادة الودائع في مصارف لبنان العام 2012 تجاوزت 8%"،

علاوة على ذلك، لم تتأثر الصادرات الصناعية بالأزمة السورية، حيث بلغ مجموع الصادرات الصناعية في كانون الثاني 2013 ما قيمته 249.6 مليون دولار، مقارنة مع 238.7 مليون دولار في كانون الثاني 2012، ومقارنة أيضاً مع 231.5 مليون دولار في كانون الثاني 2011[8]

وبفعل تفاقم أعمال العنف في سوريا، وصولاً إلى إقفال مطار دمشق أمام المسافرين، تحوّل مطار بيروت الدولي إلى صلة وصل السوريين بالعالم الخارجي. وأشارت الاحصاءات الرسمية الصادرة عن مصلحة الابحاث والدراسات في المديرية العامة للطيران المدني الى ارتفاع اعداد الركاب الذين استخدموا مطار بيروت الدولي خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري حوالي 7 في المئة

حمدان: الإيجابيات جزئية

"الآثار الإقتصادية للازمة السورية على لبنان مجرّد تفصيل مقارنة مع الآثار السياسية المدمّرة"، يقول الخبير الإقتصادي ورئيس "مؤسسة البحوث والإستشارات" كمال حمدان في حديث خاص. إذ يعاد النظر منذ عامين بالعلاقات التاريخية بين البلدين. وبرأي حمدان ان المحصلة العامة للأزمة السورية سلبية، خصوصاً بسبب تأثيرها على محدّدات النمو وحوافز الإستثمار اللبناني والأجنبي على السواءفقبل إندلاع الأزمة السورية كان لبنان في المرتبة الثانية إقليمياً من حيث القدرة على إجتذاب الإستثمارات الأجنبية المباشرة، خصوصاً في القطاعين العقاري والمالي. وهو ما خفض معدل النمو إلى مستويات دنيا، حيث من المتوقع ان يراوح ما بين 1 إلى 3 في المئة هذا العام، إلاّ في حال طرأ جديد في الفصلين الثالث والأخير على مستوى الحركة السياحية على وجه الخصوص.

اما الأثر الإيجابي الأبرز فتحوّل لبنان إلى لعب دور الوسيط بين السوق السوري المنهار والمعرض للعقوبات والسوق العالمية. كذا، أعطى السوريون اللاجئون إلى لبنان، المنتمون خصوصاً للطبقتين الوسطى والعليا، دفعاً للطلب الفعلي على المساكن والإستهلاك والطلب على النقل وعلى الخدمات الأخرى. وبلا شك سيستفيد لبنان من نزوح السوريين ذوي المهارات إليه ومن المشاريع السورية على المدى الطويل. أمّا الفئات الدنيا من اللاجئين فقد شكّلت ضغطاً على إمكانات الدولة المالية، وعلى البنى التحتية والتعليمية والصحية، وغيرها.

وفي محاضرة له خلال شهر نيسان في "المجلس الثقافي للبنان الجنوبي" تحت عنوان " الكلفة الاقتصاديةالاجتماعية اللبنانية للأزمة السوريةرأى حمدان ان "معدل النمو انخفض بعد 2010 من 8% الى حوالي 3% في العام 2011 في بدء الازمة السورية، وتفاقم هذه الازمة في العام 2012 خفض المعدل الى حوالي 1.5%، اي ان تأثير الازمة في سوريا على لبنان كبير، لان ما يجري في سوريا يؤثر على جميع مكونات الاقتصاد اللبناني وعلى مناخ الاستثمار ككل".

مرحلة التريث والترقب

وإن كان لا بد لقطاعات ان تستفيد بل وتنشط نتيجة للأزمة السورية وإنغلاق سوقها، ما يذكر بإفادة ميناء بيروت بعيد خروج مرفأ حيفا من الخط التجاري العربي بعد قرار تقسيم فلسطين في العام 1947، أو لاحقاً في الستينات نتيجة موجة التأميمات التي عمّت بعض البلدان العربية، إلاّ ان هناك عوامل أخرى تؤثر بأداء الاقتصاد اللبناني والتي تدعو الى التريث والحذر وذلك في ظل توقعات بتراجع مستمر ينسحب على العام 2014 .

وقد وضع البنك الدولي المواجهة السياسية في لبنان والأزمة المتصاعدة في سورية على رأس قائمة هذه العوامل التي تؤثر سلباً على سير الاقتصاد، "ليسجل معدلاً بلغ 1.1 في المئة جراء ضعف الأداء الاقتصادي، مع تراجع في الأوضاع الأمنية." وأشار التقرير إلى أن "التباطؤ الحاد في قطاع الخدمات، وخصوصاً في مجال السياحة، كان له الأثر الأكبر في تراجع معدلات النمو"، بالإضافة الى تسارع في "نسبة التضخم في شكل ملحوظ خلال النصف الثاني من العام 2012، وشهد معدل التضخم 3.2 في المئة في نهاية 2012."[9]

وسدّدت الأزمة السورية خلال العامين 2011 و2012 ضربات موجعة للحركة السياحية اللبنانية، التي تعتبر مكوناً أساسياً ومركزياً من مكونات النمو الإقتصادي في النموذج اللبناني الريعي. وبلغت نسبة التراجع في حركة السياح إلى لبنان خلال العام 2012 ما نسبته 17.5%، وهي أقل من نسبة التراجع المسجّلة في العام 2011 حين بلغت 23.7% بسبب التطورات العسكرية والميدانية في سوريا، وذلك وفق الإحصاءات الصادرة عن وزارة السياحة

على مستوى قطاع الشركات، تشكّل التسليفات الممنوحة للشركات المتوسطة والصغيرة مؤشراً مهماً إلى حجم النشاط المحقق على مستوى الإقتصاد عموماً، وقطاع الأعمال خصوصاً. كما يعكس نشاط المؤسسات المتوسطة والصغيرة فرص العمل المتولدة في البلاد، حيث يعتبر هذا النوع من المؤسسات الاكثر تشغيلاً للعمالة في لبنان.

وفي هذا الإطار، أظهرت إحصاءات شركة كفالات تراجعاً سنويّاً ملحوظاً بلغت نسبته 25.91 في المئة في عدد التسليفات الممنوحة من الشركة، من 328 كفالة في نهاية نيسان من العام 2012 إلى 243 في الفترة نفسها من العام 2013. وعزا التقرير الأسبوعي الصادر عن "بنك الاعتماد اللبناني" هذا التراجع إلى "التباطؤ الذي يشهده الاقتصاد اللبناني في ظلّ التوتّرات السياسيّة الإقليميّة والمحليّة، ما انعكس سلباً على معظم القطاعات الاقتصاديّة في لبنان، لا سيّما على الاستثمارات الجديدة".

إلى ذلك، يكشف رئيس مؤسسة تشجيع الإستثمارات في لبنان ("إيدال") نبيل عيتاني في حديث خاص ان العام 2012 شهد إنخفاضاً في إجمالي الإستثمارات في لبنان بما نسبته 20 في المئة، من حوالي 3 مليارات و800 مليون دولار في العام 2011 إلى حوالي 3 مليارات و200 مليون دولار في العام 2012. ما يعكس تراجع ثقة المستثمرين الكبير في المناخ الإستثماري العام في لبنان، من جراء تفاقم الأزمة الداخلية، بالتلازم مع إجتياح تداعيات الأزمة السورية لمختلف نواحي الوضع اللبناني.     

هذا وتراجعت حركة الرساميل الوافدة حتى نهاية الفصل الأول من العام الحالي بنسبة 4,3 في المئة عن الفترة نفسها من العام 2012 وبلغت حوالي 4,2 مليارات دولار بتراجع حوالي 400 مليون دولار.[10]. وقدّر معهد التمويل الدولي "صافي تدفقات رؤوس الأموال الخاصة الوافدة إلى لبنان بنحو 1,6 مليار دولار في 2013، اي بتراجع 30,3% عن 2,4 ملياري دولار في 2012، علما ان التدفقات بلغت 6,3 مليارات دولار في 2011 و5,8 مليارات دولار في 2010 و12 مليارا في 2009".[11]

كما أظهرت أرقام مركز دراسات غرفة تجارة بيروت وجبل لبنان أن إجمالي أصول المصارف اللبنانية العاملة في سوريا بلغت 4 مليارات دولار في نهاية العام 2012، بتراجع نسبته 31 في المئة قياساً على مستواها في نهاية العام 2011، فيما بلغت الأرباح المجمعة لهذه المصارف نحو 13.8 مليون دولار مقارنة مع 36.8 مليون دولار في نهاية العام 2011، بإنخفاض نسبته 37,5 في المئة.

العاصفة كمحفزّ للمبادرة

ان الوقائع المنبعثة خلال العامين ونيّف الأخيرين، والمتوالية فصولاً، تؤكد بما لا يرقى اليه الشك أن لبنان لا يستطيع ان يستمر كما هو. وليس اختراعاً القول ان النمط الاقتصادي - الريعي القائم يحتاج الى تصحيح بنيوي وسريع، من شأنه أقلمة الإقتصاد مع مفاعيل الإضطراب الزاحفة عليه، والمرشّحة للزحف حتى أمد غير منظور .

فالإقتصاد اللبناني، المتمحور جوهرياً حول القطاعات الريعية، خصوصاً الخدمية والتجارية، يشهد اليوم أكبر عملية تجفيف لمصادر تطوّره وإستمراره. ولعل إنحسار وزن قطاعي الزراعة والصناعة ضمنه، يفسّر لماذا لم ينعكس النمو المحقق خلال السنوات  ما بين 2007 و 2010 والذي ناهز الـ8% تحسناً في المستويات المعيشية للبنانيين، وزيادة في فرص العمل. من هنا، يصير مفهوماً، على سبيل المثال لا الحصر، كيف يمكن ان تكون موجودات القطاع المصرفي - الذي يعتبر وفق توصيف مؤيدي النموذج الإقتصادي القائم العمود الفقري للإقتصاد - أكبر بثلاثة أضعاف من الناتج المحلي الإجمالي فيما لا يشغّل هذا القطاع أكثر من 20 ألف موظف. علماً ان موجودات القطاع بلغت 155,4 مليارات دولار في نهاية آذار 2013، فيما بلغ الناتج المحلي الإجمالي الإسمي 41.3 مليار دولار في نهاية العام 2012، بحسب صندوق النقد الدولي .

هكذا، إذن، يتبدى كم ان إعادة هيكلة الإقتصاد تبدو التحدي الأكثر إلحاحاً والأشد صعوبة اليوم امام صنّاع القرار وراسمي السياسات في لبنان. وطالما أن الإستقرار السياسي والأمني، المحلي والإقليمي في آن، محكوم بالتبخّر للأسباب المعروفة، وطالما ان النموذج الإقتصادي القائم لا يزدهر من دون هذا الإستقرار الضروري الذي يرقى إلى مصاف علّة وجوده، يغدو من مهمة السياسات اليوم المبادرة إلى إستيعاب التداعيات، وإلى رسم سياسات وخطط للمواجهة.

المبادرة اليوم قد تكون ممكنة من أجل مدّ الإقتصاد اللبناني بأسباب الصمود. أمّا غداً، فلا. إذ، وقتها، يكون الآوان قد فات!

 

http://data.unhcr.org/syrianrefugees/country.php?id=122 [1]

تجدر الاشارة أن الأرقام الواردة تتغير بشكل مستمر مع استمرار المفوضية بتسجيل اللاجئين الجدد على اساس يومي

[2]  بينت احصاءات مؤسسة كهرباء لبنان "أن حجم استهلاك الطاقة لم يشهد ارتفاعاً ملفتاً مع وصول النازحين إلى لبنان. وسجل حجم هذا الاستهلاك ارتفعاً بين 70 الى 80 ميغاواط من أصل 1500 ميغاواط"؛ من مقالة للكاتبة رشا أبو زكي، بعنوان: "اللاجئون السوريون في لبنان: تحريك موضعي للإقتصاد وارتفاع في معدلات الفقر والبطالة"  http://www.undp.org.lb/communication/peacebuilding/page%2010-11.pdf

[3]  http://alhayat.com/details/525474

[4]  http://alhayat.com/details/525474

[5]  http://www.assafir.com/Article.aspx?ArticleId=1390&EditionId=2464&ChannelId=59338#.UfJZS43inAY

[6]  دراسة غير منشورة صادرة عن مركز دراسات غرفة تجارة بيروت وجبل لبنان

[8]  أنظر إحصاءات الصادرات الصناعية الصادرة عن وزارة الصناعة على الموقع الإلكتروني للوزارة.

[9]  http://alhayat.com/details/526688

[10]  عدنان الحاج، "السفير"، "صندوق النقد يحذر من نمو العجز وغياب الإحصاءات" http://www.assafir.com/Article.aspx?ArticleId=734&EditionId=2458&ChannelId=59185#.UeQx_jcepac

 

 
 

نبذة عن الكاتب

حسن لحاف هو كاتب لبناني عمل سابقاً في جريدة "السفير" وهو حالياً مسؤول القسم الإقتصادي في جريدة "المدن" الإلكترونية بلإضافة الى عمله على الترجمة لبعض الاعمال ذات الصلة بالاقتصاد والسياسة.

 

 
 
 
 

0 Comments

أضف تعليقاً

أضف تعليقاً