دفاعاً عن الحرّيات الفردية: الحرّيات البدنية في دولة مدنية ديمقراطية

دفاعاً عن الحرّيات الفردية: الحرّيات البدنية في دولة مدنية ديمقراطية

Article

"المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز. تضمن الدولة للمواطنين والمواطنات الحقوق والحرّيات الفردية والعامّة، وتهيئ لهم أسباب العيش الكريم."

(الفصل 21 من دستور الجمهورية التونسية الصادر في 27 يناير 2014)[i]

 

[i] ترجم هذا النصّ بالإضافة إلى نصوص أخرى من الدستور والمجلّة الجزائية التونسية إلى اللغة الإنكليزية في النصّ الأصلي من قبل السيدة وفاء بن الحاج عمر. 

تتوّج هذه المادّة من الدستور عقوداً طويلة من النضال تحت لواء المجتمع المدني والناشطين السياسيين. وهي القاسم المشترك الذي يجمع كل من آمن بحقوق الإنسان وبقبولها العالمي والمترابط والمتكامل.

عانت تونس ما بعد العام 2011 من انتهاكات طالت حقوق الإنسان والحرّيات والحقّ في الاختلاف وشهدت اعتداءات على الأنشطة الثقافية والفنّية. تبلورت هذه الاعتداءات من خلال حالتين: الاعتداء الذي تعرّض له معرض "العبدلية" في شهر يونيو 2012 حيث استهدف السلفيون المتطرّفون ودمّروا أعمالاً فنّيةً اعتبروها ضرباً من الكفر؛ واعتداء طال خلال الفترة نفسها صالة سينما "أفريكارت" التي استضافت الفعالية الثقافية Touche pas à mes créateurs (ابتعد عن فنّانيَ) المعدّة من قبل شبكة من المنظّمات الأهلية من أجل المطالبة بالحقّ في حرّية التعبير الفنّي والدفاع عنه. وكان يفترض أن يبثّ خلال الفعالية المذكورة فيلماً مثيراً للجدل للمخرجة التونسية ناديا الفاني تحت عنوان "لا اله ولا سيد".

تعرّضت النساء وكل من خالفت ميوله الجنسية المعايير المألوفة للاعتداءات ضمن بيئة سياسية ساد فيها العنف والإفلات من العقاب. وقد مهدّت هذه البيئة الطريق أمام اغتيالين سياسيين: قُتل القائد السياسي اليساري، شكري بلعيد، الذي لطالما رفع راية الديمقراطية أمام منزله في 6 فبراير 2013 في حين رشق رفيقه، القائد القومي محمد براهمي، بطلقات نارية أمام منزله في 25 يوليو 2015 وهو تاريخ غنّي بالرموز إذ يصادف يوم إعلان الجمهورية التونسية. تبنّى المقاتلون الإسلاميون المتطرّفون هاتين الجريمتين البشعتين المنفّذتين بدم بارد. فصدر دستور 27 يناير 2014 وسط بركة من الدماء. 

بعد التصويت على الدستور، لا بد من وضعه حيّز التنفيذ وهي مهمّة صعبة في بلد لا تزال فيه نصوص قانونية ترقى إلى القرن الماضي؛ وهي نصوص تعود إلى حقبة زمنية سبقت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ نصوص غاب عنها الفرد. وعليه، واجه الدستور الجديد مقاومة في معرض تنفيذه... فهل يجوز أن نرضى بنصّ جميل؟ وهل نكتفي بمجرّد عرض قانوني جميل؟

لا تزال المجلّة الجزائية التونسية الصادرة في العام 1913 تطبّق لزجّ مئات الأشخاص في السجن، وبشكل خاصّ الشباب منهم، وذلك لمجرّد قبلة، ابتسامة، كأس نبيذ أو علاقة جنسية طوعية تجري بكل خصوصية بين شخصين بالغين. في 12 يناير 2017، في حمّام سوسة، تم توقيف شابّين في شقّتهما بجرم الاحتفاظ بملابس وإكسسوارات نسائية في المنزل! وعوقبا بالسجن لمدّة شهرين عملاً بالفصل 226 الذي يعاقب "من يعتدي علناً على الأخلاق الحميدة أو الآداب العامّة بالإشارة أو القول أو يعمد علناً إلى مضايقة الغير بوجه يخلّ بالحياء". خلال الشهر نفسه، اتهمت امرأة في ولاية نابل بالثمالة وبالاعتداء على رجال الشرطة. فعوقبت بالسجن لمدّة ستة أشهر بموجب الفصل نفسه. صوّرها رجال الشرطة بطريقة غير قانونية ونشروا شريط الفيديو على فيسبوك.

تمنع القوانين البائدة النساء من التمتّع بمواطنتهن الكاملة وبحقوق وحرّيات متساوية. أجبر هذا الوضع المجتمع المدني على مواصلة حراكه وتشكيل التحالفات والشبكات التي جمعت عشرات الجمعيات. نذكر بشكل خاصّ "التحالف المدني من أجل الحرّيات الفردية". 

أفضت هذه المبادرات إلى نتائج باهرة تمثّلت بصدور قانون ضدّ الاتجار بالبشر (آب/أغسطس 2016) وقانون ينصّ على القضاء على كافّة أشكال العنف ضدّ المرأة (آب/أغسطس 2017)، وبإلغاء مرسوم العام 1973 الذي يحظّر على المرأة التونسية الزواج من غير المسلم (8 أيلول/سبتمبر 2017).

وفي 12 يونيو 2018، صدر تقرير "المساواة والحرّيات الفردية" عن لجنة الحرّيات الفردية والمساواة المُنشأة بناءً لطلب رئيس الجمهورية في 13 أغسطس 2017. شكّل هذا التقرير عنصراً أساسياً بالنسبة إلى المجتمع المدني في سياق النقاش حول الاقتراحات الآيلة إلى وضع مكوّنين رئيسين من الدستور التونسي حيّز التنفيذ: المساواة الكاملة والفعلية بين الرجل والمرأة وتكريس الحرّيات الفردية.    

تمحور التقرير الذي امتدّ على 235 صفحة حول حجّتين رئيسيتين واقتراحين بالإصلاح القانوني. تقضي الحجة الأولى بتحقيق المساواة الكاملة والفعلية بين الرجل والمرأة مع اقتراح لمشروع قانون ينصّ على المساواة في الميراث (وهو أمر أحدث جلبةً في صفوف الرأي العام). أما الحجّة الثانية فهي تنصّ على ضمان الحرّيات الفردية وتلاها اقتراح بإعداد مشروع قانون حول الحرّيات الفردية.

يسترعي هذا الأمر انتباهنا عند مستويين اثنين: أعادت اللجنة النظر في النصوص القاتلة للحرّيات[1] الواردة في المجلّة الجزائية للعام 1913 التي لا تزال نافذة وذلك على ضوء الدستور التونسي والتزامات تونس الدولية والخطوط العريضة الحديثة التي ترعى حقوق الإنسان. وجاء التقرير ليعرض رؤيا عن القانون الجنائي بالاستناد إلى هذه التوجّهات والتطوّرات الحديثة. إنّ هذه التفاصيل مناقشة أدناه تحت العنوانين التاليين:

1. رؤيا مرتكزة على مقاربة منبثقة عن حقوق الإنسان: التزمت لجنة الحرّيات الفردية والمساواة بولايتها كما نصّ عليها المرسوم الرئاسي الذي أنشأها في 13 أغسطس 2017. يلحظ المرسوم إنشاء لجنة تابعة لرئيس الجمهورية معنية بإعداد تقرير حول الإصلاحات في مجال الحرّيات الفردية والمساواة مع مراعاة الأحكام الواردة في دستور 27 يناير 2014، المعايير الدولية لحقوق الإنسان، بالإضافة إلى التوجّهات الجديدة في مجال الحرّيات والمساواة.

وأعطى هذا الأمر اللجنة مروحةً واسعة من الأسس القانونية لترصد النصوص والأحكام القاتلة للحرّيات وتقترح الإصلاحات المناسبة.

لا شكّ في أنّ الدستور التونسي الصادر في 27 يناير 2014 متطوّر إلى حدّ بعيد بالنسبة إلى بعض حقوق الإنسان. يضمن الدستور بشكل لا لبس فيه حرّية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية ("الفصل 6")؛ الحرّيات الفردية ("الفصل 21")؛ حماية كرامة الذات البشرية وحرمة الجسد ("الفصل 23")؛ حماية الحياة الخاصّة وحرمة المسكن وسرّية المراسلات والمعطيات الشخصية ("الفصل 24")؛ حرّية الرأي والفكر والتعبير ("الفصل 31")؛ بالإضافة إلى حرّية الإبداع الثقافي ("الفصل 42"). 

علاوةً على هذه القاعدة الدستورية، ترمي المجموعة الواسعة من المعاهدات والبروتوكولات التي صادقت عليها تونس أصولاً إلى تحقيق المساواة وحماية الحرّيات. وهي تشمل: العهد الدولي الخاصّ بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاصّ بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة، اتفاقية حقوق الطفل، اتفاقية حماية الأشخاص الطبيعيين من معالجة البيانات ذات الطابع الشخصي بصورة آلية الصادرة عن المجلس الأوروبي (معاهدات الاتحاد الأوروبي رقم 108)، بالإضافة إلى البروتوكول الملحق بالميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب ("بروتوكول مابوتو").

كما نظرت لجنة الحرّيات الفردية والمساواة في بعض التوجهّات الجديدة في مجال حقوق الإنسان. وهي تنعكس على المستوى الدولي من خلال الأحكام الأوروبية الصادرة مؤخّراً في هذا المجال والمبادئ التي بنيت عليها اللجان الدولية المختلفة وآليات الأمم المتحدّة الخاصّة على غرار الزيارة الأخيرة للمقرّر الخاصّ بهدف تقييم وضع حرّية الضمير في تونس (لم ينشر التقرير بعد). كما تبرز بعض الانعكاسات على المستوى الوطني من خلال الإسهامات الجديدة في هذا الميدان على غرار التقرير الصادر عن التحالف التونسي لحقوق المثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية لمناسبة الاستعراض الدوري الشامل لتونس في شهر مايو 2017؛[2]  تقرير التحالف المدني من أجل الحرّيات الفردية حول وضع انتهاكات الحرّيات الفردية؛[3] توصيات المقرّرين الخاصّين؛ وتطوير بعض الحقوق الوطنية المتعلّقة بالمساواة والحرّيات (حمل اسم الوالدين، تغيير الجنس والهوية، زواج مثليي الجنس، الأبوة والأمومة عند المثليين، القتل الرحيم، الخ).  

ولكن، في معرض الاستقاء من الموارد السالفة الذكر، لم تختار لجنة الحرّيات الفردية والمساواة التعريف الأكثر شمولاً للحرّيات الفردية والمساواة. ففي حين عرضت رؤيا أكثر حداثةً للقانون الجنائي، إلا أنّها لم تتقدّم بتوصيات واضحة حول مسائل كزواج مثليي الجنس، الأبوة والأمومة عند المثليين و/أو القتل الرحيم.

2. رؤيا أكثر حداثةً للقانون الجنائي متصلة بالحرّيات الفردية: تشوب المجلّة الجزائية التونسية الحالية الصادرة في العام 1913 أحكام واعظة قاتلة للحرّيات. يتضح هذا الأمر جلياً من خلال الفصل المعنون "في الاعتداء بما ينافي الحياء" الذي ينصّ على ما يلي: "يعاقب بالسجن مدّة ستة أشهر وبخطية قدرها ألف دينار (أي 300 يورو تقريباً) من يعتدي علناً على الأخلاق الحميدة أو الآداب العامّة بالإشارة أو القول أو يعمد علناً إلى مضايقة الغير بوجه يخلّ بالحياء". تسري نفس العقوبات على "كل من يلفت النظر علنا إلى وجود فرصة لارتكاب فجور وذلك بكتابات أو تسجيلات أو إرساليات سمعية أو بصرية أو الكترونية أو ضوئية".

بمواجهة خطر هذه المفاهيم الضبابية والطيّعة المتعلّقة بالأخلاق الحميدة والآداب العامّة والحياء التي تتنافى مع المبادئ الأساسية للقانون الجنائي، اقترحت لجنة الحرّيات الفردية والمساواة استبدال هذه المفاهيم بمحتوى أكثر وضوحاً ودقّةً. فوحده "إظهار الأعضاء التناسلية طوعاً بهدف إيذاء الغير" المعاقب عليه بغرامة 500 دينار تونسي (165 يورو تقريباً) اعتبر على أنّه يستجيب لمعايير الاجتهاد المعاصرة.  

كما ينصّ الفصل 231 من المجلّة الجزائية على ما يلي: "النساء اللاتي في غير الصور المنصوص عليها بالتراتيب الجاري بها العمل يعرضن أنفسهن بالإشارة أو بالقول أو يتعاطين الخناء ولو صدفة، يعاقبن بالسجن من ستة أشهر إلى عامين وبخطية من عشرين دينارا إلى مائتي دينار (6- 60 يورو). يعتبر مشاركا ويعاقب بنفس العقوبات كل شخص اتصل بإحدى تلك النساء جنسياً." راجعت اللجنة هذه المادّة التي اعتبرت ضبابية وقابلة لتطبيق عشوائي واقترحت استبدال عقوبة السجن بغرامة.

إدراكاً منها للمخاطر والانتهاكات المتأتية عن تطبيق "الفصل 230" الذي يعاقب اللواط بالسجن لمدّة 3 سنوات، اقترحت اللجنة إلغاء هذا الفصل، أو إذا دعت الحاجة، استبدال الحرمان من الحرّية بغرامة.

تفتح مقاربة لجنة الحرّيات الفردية والمساواة، التي تعدّ تقدّمية ومعاصرة بالمقارنة مع المجلة الجزائية السابقة للحرب العالمية الأولى، المجال واسعاً أمام الانتقادات وذلك عند مستويين:

أولاً، يعدّ اقتراح معاقبة اللواط، حتى ولو بموجب غرامة، منافياً بشكل تام للعلوم الحديثة والاجتهاد المعاصر. فالمجتمع العلمي لم يعد يعتبر اللواط بمثابة مرض أو شذوذ. كما أنّ المعنى القانوني للواط ليس واضحاً وعليه، لا يجوز وضع عقوبة قانونية على أساس "وقائع" وأفعال غير دقيقة وغير محدّدة.  

ثانياً، تغاضت لجنة الحرّيات الفردية والمساواة بالكامل عن مسألة تجريم الزنا. ففي حين تستثني التوجّهات الحديثة في مجال حقوق الإنسان والقانون الجزائي الزنا من الدائرة الجزائية وتعتبرها جزءً من الحياة الخاصّة للزوجين، إلا أنّ "الفصل 236" من المجلّة الجزائية يعاقب زنا الزوج أو الزوجة بالسجن لمدّة خمسة أعوام. ولكن، على الرغم من هذا التعارض الصارخ، نأسف أنّ اللجنة لم تأتي على ذكر أي إصلاح ممكن لهذه المسألة.

اصطدم تقرير لجنة الحرّيات الفردية والمساواة بحملة من المعارضة الشرسة قادها المحافظون والإسلاميون المتطرّفون في تونس. وقد تلقّى أعضاء اللجنة، لاسيما رئيستها، بشرى بلحاج حميدة وهي ناشطة نسائية مشهورة، تهديدات بالقتل من السيد عادل علمي، قائد الرأي المتطرّف ومؤسّس الحزب السياسي الإسلامي المتطرّف، تونس الزيتونة. باستثناء بعض الناشطين من المجتمع المدني وكاتبي المدوّنات والصحافيين التقدّميين، لم يحظى التقرير واللجنة بدعم سياسي يذكر. أصدر بعض الأحزاب بيانات خجولة ندّدت بالخطاب العنيف الموجّه إلى أعضاء اللجنة، نذكر منهم حزب النهضة الإسلامي.

انتظر المجتمع المدني بفارغ الصبر رداً داعماً من رئيس الجمهورية الذي كان قد أنشأ هذه اللجنة قبل عام بالتحديد، في 13 أغسطس 2017، الذي يصادف الاحتفال باليوم الوطني للمرأة والذكرى الثانية والستين لمجلّة الأحوال الشخصية. قبل يومين من الموعد المحدّد لخطابه، نظّم معارضو تقرير اللجنة تظاهرة كبرى ذخرت بالشعارات العنيفة.  

جاء الردّ المنتظر من الرئيس محبطاً للآمال حيث اقتصر على الإعلان عن مبادرة تشريعية مفادها تحقيق المساواة في الميراث. ندّد حزب النهضة بمبادرة الرئيس التشريعية على إثر اجتماع مجلس الشورى المنعقد في 26 أغسطس 2018 والذي رفض صراحةً في بيانه مبادرة الرئيس التشريعية باعتبارها متعارضة مع مبادئ الإسلام[4]. كما أدان ناشطو المجتمع المدني خطابه كونه تطرّق إلى طلب واحد فقط ولم يظهر أي دعم ملموس لمسألة إلغاء كافّة أشكال التمييز ضدّ الأفراد في تونس.

في اليوم المحدّد لخطاب الرئيس، تظاهر آلاف التونسيين، نساءً ورجالاً، في نفس الشوارع التي تظاهر فيها المتطرّفون الإسلاميون قبل يومين. تسلّحوا بشعاراتهم الخاصّة وطالبوا هذه المرّة بإصلاح جميع التشريعات غير الدستورية القاتلة للحرّيات. لم يتجمّع الشباب والرجال والنساء (محجّبات وغير محجّبات) المتوسطو السنّ لإثبات وجودهم وإبداء دعمهم لتقرير اللجنة فحسب، بل أيضاً ليظهروا للعالم بأسره أنّ تونس ماضية قدماً وأنّها ستضطلع بدور ريادي في العالم العربي الإسلامي وذلك عبر تحقيق المساواة في الميراث ومواصلة النضال في سبيل تكريس جميع الحرّيات الفردية.  

 

0 Comments

أضف تعليقاً

أضف تعليقاً