حدود وأمم تسقط الشعوب في الترهّل: صراع الدوم من أجل الهوية والاعتراف في لبنان

حدود وأمم تسقط الشعوب في الترهّل: صراع الدوم من أجل الهوية والاعتراف في لبنان

Article

دفع إنشاء الدول الأمم ذات الحدود الواضحة المعالم، فضلاً عن التحديث والتغييرات السياسية والمناخية، بمجموعات عديدة من الشعوب الرُحّل، بما فيهم الدوم، إلى التخلّي عن نمط حياتهم القائم على الترحال وأدخل تحدّيات كثيرة في سبل عيشهم وهويتهم.

الدوم متواجدون في شتى أنحاء لبنان. فإذا صادفت فتاةً صغيرة أو صبياً يبيعان الورد أو علكة تشكلتس في الشارع أو امرأةً في ملابس ملوّنة تعرض عليك قراءة طالعك، من المحتمل أن يكونوا من الدوم. التسمية الشائعة للدوم في لبنان هي "النوَر"، "الجيبسي" أو "الغجر" وكلّها ألفاظ تفيد الازدراء والدونية وتجعل من هؤلاء أشخاصاً "غير متحضّرين" أو "رجعيين". شكّلت هذه الكلمات عائقاً أساسياً بالنسبة إلى الدوم وغير الدوم. فهي تحول دون اعتراف المجتمع اللبناني بأنّ الدوم شعب له تاريخه وثقافته وتقاليده التي لا بد من دعمها واحترامها.         

قدّرت الدراسة الوحيدة حول الدوم التي أجرتها جمعية أرض الإنسان في العام 2011 عددهم بـ3,000 شخص في بيروت وجنوب لبنان.[1] غير أنّ التهميش ولّد شعوراً بالعار دفع العديد من الدوم إلى إخفاء هويتهم، ما يصعّب عملية إحصائهم بشكل دقيق. على صعيد آخر، يتوقّع الخبراء اندثار اللغة الدومارية خلال السنوات الستين المقبلة نظراً لميل الشباب إلى اللغة العربية.[2] يؤدّي كل ذلك إلى حاجة ماسّة لاتخاذ الإجراءات الكفيلة بالمحافظة على الحكمة الجماعية لهذه المجموعة. الهدف من هذا المقال حثّ الأشخاص على تعميق معرفتهم بالدوم لأنّ كل ثقافة تمتلك معارف قيّمة لا بدّ من الحفاظ عليها كما يجب الاحتفاء بالشعوب لا إقصاؤهم بسبب اختلافاتهم.

الجذور

قلّة هم الدوم الذين يمكنهم سرد تاريخ شعبهم. فقد تم تناقل هذا التاريخ عبر الأجيال من خلال الحكايات الخرافية والأساطير في غياب القيود الخطّية. يُرجّح الخبراء أنّ جذور الدوم ترقى إلى الدومبا وهي طائفة اجتماعية هندية من التجار الرحّل المتخصّصين في الأنشطة الترفيهية وإنتاج السلع. بين القرنين الرابع والسادس، بدأت بعض جماعات الدومبا تهاجر شمالاً من الهند الوسطى قبل أن ينتقلوا غرباً. [3] في الماضي، سمحت الحدود النفيذة للدوم بالتنقّل ذهاباً وإياباً بين لبنان والبلدان المجاورة بشكل موسمي. إلا أنّ الانتداب الفرنسي في لبنان وسوريا في العام 1923 شكّل بدايةً لانتهاء نمط حياتهم التقليدي القائم على الترحال فأصبحوا متأرجحين في حالة من الغموض القانوني بين انعدام الهوية والمواطنة.

بما أنّ الهوية الوطنية والمواطنة أصبحتا العنصرين الرئيسيين في تحديد الوصول إلى الموارد وأنماط التآزر والمشاركة المدنية الفاعلة، خضع الدوم لسلطة الطبقة الحاكمة في بلد إقامتهم. وقد تأثّر اندماجهم في المجتمع اللبناني بوضعهم "المنحرف" كما وبجهل ثقافتهم أو عدم الاستعداد لفهمها. لذا، لا بد من تقييم التفاعل بين نضالهم للحصول على الاعتراف والتغييرات التي طرأت على حسّهم بالهوية بفعل اكتساب الجنسية اللبنانية والصراعات التي رافقت ذلك.  

ما معنى أن يكون الشخص من الدوم؟

ما من جواب واضح على هذا السؤال وتختلف الإجابة بين جيل وآخر، لا بل ثمّة غياب للتوافق في صفوف من يٌعرّف عن نفسه على أنّه من الدوم حول معنى الانتماء إلى هذه الفئة. [4]

تحدّثت إليّ ثلاث نساء من الدوم عن نظرتهنّ إلى هوّيتهن وعن كيفية تأثير خلفيتهنّ وعمرهنّ على موقفهن من الانتماء إلى فئة الدوم.

قالت لي امرأة: "أنا فخورة بانتمائي إلى الدوم. هكذا ولدت ولم يكن ذلك خياري." وتابعت شارحةً: "يتردّد العديد في التعريف عن أنفسهم كدوم بسبب نظرة الآخرين السلبية لهم." غالباً ما يدفع الانفصال عن الوطن الأم والانقطاع عن التقاليد الأجيال الشابّة إلى الاهتمام أكثر بلغة البلد الجديد وعليه بهوية هذا البلد.[5] وقالت امرأة لبنانية شابّة أنّ الانتماء إلى الدوم لا يعني شيئاً بالنسبة إليها كونها لا تتحدّث اللغة وتعتبر نفسها لبنانيةً. [6]   

في الواقع، يتحدّث ربع أطفال الدوم في لبنان فقط اللغة الدومارية[7] حيث توقّفت عائلات كثيرة عن تعليم هذه اللغة إلى أبنائها تفادياً للتمييز. [8] صنّفت اليونسكو اللغة على أنّها "مهدّدة بالاندثار بشدّة"، لاسيما في لبنان وفلسطين. [9] على حدّ قول برونو هيرين، وهو خبير في لغات الأقليات في منطقة الشرق الأوسط "تشكّل اللغة مكوّناً أساسياً من الانتماء الإثني والهوية، وغالباً ما تعدّ خسارة لغة الأجداد بمثابة خسارة جزء من الذات"[10]    

بالإضافة إلى ذلك، فقدت الثقافة الدومارية تقليد الترحال مع مرور الوقت. حتى وإذا كنا لا نزال نسمع كلاماً عن بعض "الجيبسي المعاصرين الرحّل" الذين ينتقلون عبر الطرقات التجارية القديمة من دون أن يأبهوا بالحدود الوطنية[11]، إلا أنّ هؤلاء لا يشكّلون سوى 13% من قوم الدوم[12] في حين يعيش الباقون حياةً حضرية.

شرحت امرأة أخرى من الدوم أنّ مجتمعات الدوم كانت تسافر لأنّها لا تحبّذ الاختلاط مع الغير بسبب النظرة السلبية التي كوّنها عنهم العديد من الأشخاص. قالت: "لم يستقرّوا أبداً في المكان نفسه لفترة طويلة" حيث تذكّرت أنّها بدّلت مكان إقامتها أربع مرّات في طفولتها. فقد عاشت عائلتها حياة شبه ترحال وكانت تنتقل في فصل الصيف إلى لبنان للعمل مع الاحتفاظ بموطئ قدم دائم في سوريا. [13]

سمح الترحال للدوم بالبقاء منعزلين لفترة طويلة، فحافظوا على ثقافتهم ولغتهم وتقاليدهم. إلا أنّ نمط الحياة هذا تأثّر بفعل التحديث والاستيطان القسري. فانتفت الحاجة من حياة الترحال ووقع العديد من الدوم في دوامة الفقر وأصبحوا عرضةً لسخرية المجتمع. [14]  

الانتداب الفرنسي

عبرت لبنان وسوريا على مرّ التاريخ مسارات هجرة سلكتها قبائل بدوية عديدة على غرار الدوم الذين كانوا يجوبون المنطقة بشكل موسمي ويستقرّون مؤقتاً في سهل البقاع لإطعام ماشيتهم. [15] بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية وفرض الانتداب الفرنسي على لبنان وسورية، حصلت جميع الأقليات- أي بشكل أساسي الأرمن والبدو والأكراد والسريان والدوم- التي تمكّنت من إثبات أنّها تقيم في لبنان منذ ما قبل العام 1924 على الجنسية اللبنانية. استثنِيَ العديد منهم من الإحصاء الوطني للعامين 1921 و1932 لتواجدهم الموسمي خارج لبنان أو لعدم ثقتهم بالوجود الفرنسي الاستعماري وخوفهم من التجنيد.        

أفاد دون شاتي وهو أستاذ في الأنثروبولوجيا والهجرة القسرية في جامعة أكسفورد أنّه نتيجة لهذا الإقصاء، "أصبحوا عديمي الجنسية بحكم الواقع".[16] في الماضي، كانوا عديمي الجنسية ولكنّهم تمتّعوا بحرّية التنقّل كيفما أرادوا. أما اليوم فهم لا يزالون عديمي الجنسية ولكن لا يسعهم حتّى التنقل ضمن البلد الذي استقرّوا فيه. [17] أصبح الافتقار للجنسية حاجزاً أساسياً يحول دون شراء الأراضي والنفاذ إلى خدمات الرعاية الصحّية، التعليم أو الخدمات الاجتماعية. زرع هذا الإقصاء بذور تهميش متواصل لشعب الدوم.      

الوضع القانوني

ثمّة نوعان من المواطنين العديمي الجنسية في لبنان: الأشخاص الموثّقون والأشخاص غير الموثّقين. الفئة الأولى مسجّلة بشكل أساسي في خانة "قيد الدرس" في حين يعرف غير المسجّلين عادةً بـ"مكتومي القيد". 

"قيد الدرس" هو الوضع الذي أعطي للدوم العديمي الجنسية في العام 1958 (أي من لم يسجّل بموجب إحصاء العام 1932). يتضح من تقرير جمعية أرض الإنسان أنّ هذا الوضع ينسحب على 6% من الدوم.[18] وهو وضع "ما دون المواطنة الكاملة"، إذ يمنح من صنّف في هذه الخانة نفاذاً إلى الحقوق الأساسية المتمثّلة بحرّية الحركة والتعليم والعمل ولكنّه يفرض قيوداً كبيرة في ما يتعلّق بالنفاذ إلى الخدمات الحكومية الأساسية مثل الضمان الاجتماعي والرعاية الصحّية.[19] (غالباً ما تبقى فئة "قيد الدرس" غير موثّقة نظراً للكلفة الباهظة لرخص الإقامة).

كما شرحه لي شخص قابلته من الدوم: "بطاقات الهوية مرتفعة الثمن ولا يمتلك الأشخاص المال الكافي لشرائها. لذا، لا يمكنهم نقلها إلى أبنائهم." [20] في حالات كثيرة، يصعب عليهم توفير الأدلّة التي تثبت حقّهم في الجنسية اللبنانية كونهم لا يحملون الوثائق المناسبة – كما يمتنع العديد من تسجيل زواجهم أو ولادة أبنائهم ويحرمون بالتالي من حقوقهم الاجتماعية الأساسية.

مواطنون في الخفاء

أصدرت الحكومة اللبنانية في العام 1994 مرسوم التجنيس رقم 5247 الذي منح الجنسية اللبنانية إلى أكثر من 170,000 شخص. [21] شمل المرسوم كل من كان "غير مسجّل عند الولادة" أو عديم الجنسية مع وضع وطني "قيد الدرس". فاكتسب أكثر من 72% من الدوم المواطنة الكاملة بفعل هذا المرسوم.[22] سهّل هذا الأمر من الناحية النظرية اندماج الدوم في المجتمع اللبناني عبر منحهم حقوق المواطنة الكاملة: الحَراك الوظيفي، التعليم، الرعاية الصحّية، خدمات الرفاه المقدّمة من الدولة، علاوةً على المشاركة والتمثيل السياسي. شرحت امرأة من الدوم شملت بعملية التجنيس الجماعية: "من المهم أن نمتلكها [أي بطاقة الهوية]. إن لم تحملها، لن يمكنك الدخول إلى المستشفى ولن تستطيع السفر." [23]

لا شكّ أنّ الكثير من الدوم استفادوا من اكتساب الجنسية، إلا أنّ بقاء 21% منهم من دون جنسية وكون 76% يعيشون تحت خطّ الفقر يبيّن عدم نجاعة هذه العملية. [24] حتى وإذا تمتّع الأشخاص بحقّ استعمال وضعهم الجديد من حيث المواطنة، إلا أنّ كثيرين يعجزون عن ذلك. فغالباً ما تخلق السياسات اللبنانية نظاماً من التمييز وإنكار الحقوق ويفتقر الأزواج المختلطون بين اللبنانيين والدوم إلى الوثاق المناسبة. علاوةً على ذلك، تمنع القوانين اللبنانية انتقال الجنسية عبر الأم وعليه، يتعذّر على أبناء المرأة اللبنانية الدوم المتزوّجة من رجل عديم الجنسية النفاذ إلى الخدمات الصحّية الحكومية أو التعليم الرسمي. كما أنّ الكثير من نساء الدوم اللواتي كنّ متزوجات ولهن عائلة كبيرة في العام 1994 سجّلن كـ"عزباوات". وصنّف أبناؤهن في خامة "مكتومي القيد" وهم لا يمتلكون أي حقوق. شرح لي شخص قابلته من الدوم: "لا يدرك الأشخاص دوماً السياسات التي تؤثّر عليهم كامتلاك بطاقة هوية على سبيل المثال. فهم يجهلون حقوقهم لأنّهم لم يثقّفوا عليها ولم يحتكّوا بالعالم الخارجي."[25]

من الناحية السياسية، تفتقر أقلية الدوم إلى تمثيل في البرلمان اللبناني ولا تزال مجموعةً إثنية "غير معترف بها". يعامل الدوم كمواطنين من الدرجة الثانية وحتى متى أغدقت الأحزاب السياسية الرشاوى على ناخبيها المحتملين أثناء الحملات الانتخابية، لا يزال الدوم يحصلون على مبالغ أقل بكثير من تلك التي يتقاضاها المواطنون اللبنانيون الآخرون المفترض بهم "التساوي" معهم. [26]في ظلّ افتقار الدوم لنفاذ رسمي إلى موارد وخدمات الدولة، يعاملون من الناحية العملية بطريقة مختلفة بسبب لون بشرتهم، ملابسهم، طريقة كلامهم، اسم العائلة وتاريخهم.   

تأسّست جمعية "تحدّي" في التسعينيات من القرن الماضي بهدف توفير المساعدة الطبّية والاجتماعية والتربوية للعائلات المستضعفة اجتماعياً وللأشخاص الذين يعانون من التمييز. توفّر الجمعية اليوم خدمات التعليم لأكثر من 400 تلميذ، من الدوماريين بشكل أساسي، كما ولبعض السوريين وهي تدير مركزاً صحّياً يقدّم الخدمات الاجتماعية للعائلات الضعيفة. اضطلع المركز بدور حيوي في جعل الدوم يدركون تاريخهم فيتحوّلون إلى عناصر فخورين بمجتمعاتهم. تحدّث معي مديرة التعليم والشريكة المؤسّسة لجمعية "تحدّي"، كاترين مرتضى، عن الأطفال العديمي الجنسية. وشرحت لي كيف أنّه "حتى وإذا أصبح تسجيل الأطفال العديمي الجنسية في المدارس الرسمية أكثر سهولةً منذ الأزمة السورية، غير أنّ عائلات كثيرة لا ترسل أبناءها إلى المدرسة بسبب التمييز القاسي [التي تواجهه]." [27]   

عندما تحاول العائلات تسجيل أبنائها في المدارس الرسمية، سرعان ما يتم رصدها على أنّها من "النَوَر" (الجيبسي) ويُرفض طلبها بموجب أعذار مثل "لا مكان لدينا. الصفوف ممتلئة".[28] أضافت مرتضى أنّه طرأ تغيير جوهري على الديناميكية السائدة في المركز منذ اندلاع الحرب الأهلية السورية ومنذ أن فتح المركز أبوابه أمام اللاجئين السوريين حيث تعزّزت الصور النمطية السلبية بحقّ "النوَر." دفعت ادعاءات مثل "بدأ طفلي يتصرّف بهذه الطريقة بسبب النَور"[29] بالدوم إلى استيعاب الصور النمطية السلبية المنسوبة إليهم بشكل متزايد، ما أدّى إلى تراجع في مستوى متابعتهم للدراسة. في الواقع، أفاد 77% من أطفال الدوم في لبنان البالغين الرابعة وما فوق أنّهم لم يتردّدوا أبداً إلى المدرسة،[30] مقارنةً مع 10.3% للشعب اللبناني بصورة عامّة. [31]

من الواضح أنّ الصور النمطية السلبية بحقّ الدوم وعدم المساواة في معاملتهم من قبل السلطات منعت هؤلاء من المشاركة المجتمعية ومن ممارسة كامل حقوقهم. لا يزال الدوم يفتقرون إلى الصوت وهم عاجزون عن كسر حلقة انعدام الجنسية الدائمة ودوامة الفقر المتوارث عبر الأجيال. يستدلّ من غياب الصفات الإيجابية الذاتية الإدراك في ما يتعلٌق بهوية الدوم أنّ العديد من الدوم لا يفخرون بهويتهم. [32]كما يستفاد من استيعاب الدوم للصور النمطية السلبية التي بناها الجمهور بشأن وضعهم "المنحرف" ضمن المجتمع اللبناني بأنّ تطوير هوية يعتزّ بها الدوم بالإضافة إلى حسّ قوّي بالقيمة الذاتية الجماعية هو مفتاح مستقبل هذا الشعب.     

الاحتجاج

بما أنّ الدوم مسلمون في الغالبية، أطلق مرسوم التجنيس احتجاجات عامّة في صفوف المسيحيين الذين قلقوا من أن يميل الميزان الطائفي أكثر لصالح المسلمين بفعل هذا القانون. 

صرّحت غيتا حوراني، مديرة مركز دراسات الانتشار اللبناني، أنّ مسؤولاً رفيع المستوى من "تيار المستقبل" المدعوم من المسيحيين والسنّة أكّد لها أنّ مرسوم التجنيس للعام 1994 كان "مشروع تجنيس سياسي" بامتياز أكثر منه مشروعاً يتناول حقوق الإنسان. [33]وقد أيقظ هذا الواقع الكثير من الأفكار المسبقة المضمرة بحقّ أقلية الدوم.

بعد سنوات من صدور المرسوم، تحدّث كرم المقيم في زحله، عاصمة محافظة البقاع في لبنان، عن مخاوفه في مقابلة مع صحيفة ذا ديلي ستار، حيث تخوّف من أن يشجّع مرسوم التجنيس "المزيد من "الجيبسي" من الطائفة المسلمة على الانتقال إلى المنطقة." وقال: "هؤلاء الأشخاص يفتعلون المشاكل أينما ذهبوا وهم لصوص. نريد من الحكومة أن تفعل شيئاً بهذا الخصوص ولكنّها جنّست للتو نصف عددهم." [34]        

في العام 2003، استأنفت الرابطة المارونية مرسوم التجنيس مطالبةً بإعادة النظر فيه وبتحقيق يؤدّي في نهاية المطاف إلى نزع الجنسية عن الأشخاص المجنّسين في العام 1994. [35]في العام 2011، وقّع الرئيس ميشال سليمان على المرسومين 6690 و6691 اللذين جرّدا 176 شخصاً من الجنسية اللبنانية. ما من دليل ثابت على أنّ هذا الأمر أثّر بشكل مباشر على الدوم، غير أنّهم يعانون من الغموض الذي يكتنف وضعهم بسبب الخوف من أن تخلع عنهم الجنسية وعجزهم عن الاستحصال على وضع قانوني رسمي.

الآفاق المستقبلية

ينبغي على الجهات المعنية اتخاذ التدابير المناسبة عند مستوى الحكومة والمجتمع المدني وعلى الصعيد الشخصي من أجل إدماج الدوم في المجتمع اللبناني وذلك من خلال الحوار والتضامن. ولا بد من إجراء دراسة شاملة من أجل تحديد حاجاتهم وتوعية الرأي العام بشأن الدوم.

نظراً لعدم توفّر تاريخ مدوّن عن الدوم، تبقى لغتهم المحكية الوسيلة الوحيدة لسبر أغوار تاريخهم. يقوم "برنامج توثيق اللغات المهدّدة بالاندثار" في كلّية الدراسات الشرقية والإفريقية في جامعة لندن بتسجيلات سمعية وفيديو للروايات والأساطير الدومارية التقليدية من أجل الحفاظ على ثقافتهم. صرّحت ماندانا سيف الدين بور، مديرة القسم: "هذه الوسيلة تعطي الأشخاص صوتاً وتجعلوهم مرئيين." [36]

يشكّل التعليم محرّكاً للتنقّل الطبقي والتغيير وهو أداة أساسية لكسر الحلقة المفرغة للفقر المتوارث عبر الأجيال في مجتمع الدوم. تسعى جمعية "تحّدي" إلى إحداث تغيير إيجابي في هذا المجال ومن مصلحة المسؤولين الحكوميين بناء الشراكات مع هذه المنظّمات من أجل مساعدة مجتمعات الدوم.

يتعيّن على الحكومات وضع السياسيات التي تعنى بشكل خاصّ بالمجنّسين وعديمي الجنسية والتي من شأنها استحداث الفرص لأعضاء المجتمع الأكثر ضعفاً لكي يحسّنوا وضعهم. يمكن للحكومات إنجاز ذلك عبر زيادة النفاذ إلى الفرص الاقتصادية وتسهيل التطوّرات التي تتخطّى الحدود الجغرافية والإثنية." [37] 

قد تسعى الحكومة اللبنانية بالتحديد إلى إضفاء مقاربة مراعية للنوع الاجتماعي على التغيير الذي يستهدف الدوم والأقليات الأخرى وذلك عبر التوقيع على اتفاقية الأمم المتحدة بشأن خفض حالات انعدام الجنسية. فمتى نصّت الحكومة اللبنانية صراحةً على المبادئ الناظمة للحقّ في الجنسية ولحقوق عديمي الجنسية، أصبح الدستور اللبناني منسجماً مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان." [38] 

سيقضي التحدّي الرئيسي بإدماج الدوم في المجتمع اللبناني وهي الخطوة الأولى للتوصّل إلى فهم لأصل الدوم وثقافتهم. سيمدّ ذلك الدوم بمنصّة لبناء وتحديد هويتهم الخاصّة بعيداً عن الصور النمطية السلبية التي كوّنتها عنهم الأكثرية.

بموازاة ذلك، لا بد من تغيير بعض المواقف الاجتماعية ضمن المجتمع الواحد. قالت لي امرأة من الدوم: "يجب أن يأتي التغيير [أيضاً] من مجتمع الدوم. فكل شخص قادر على إحداث التغيير ولا يجب أن ينتظر العالم الخارجي لكي يغيّر الأمور نيابةً عنه. التغيير يبدأ مع الدوم." [39]يمكن تفسير هذه الكلمات على أنّها توحي بحاجة إلى عزلة أقلّ وشبكات اجتماعية أكثر ضمن مجتمع الدوم. 

وأضافت: "من يخفي هويته لا هوية له." [40]

على ضوء ما سبق، يتعيّن على الدوم أن يكونوا المدافع الأول عن هويتهم لكي يمضوا قدماً ويحموا تقاليدهم من الترهّل.

 

 

[1]  جمعية أرض الإنسان لوزان (2011) الدوم وأبناؤهم في لبنان. تقييم حول حماية الأطفال. لبنان: جمعية أرض الإنسان وجمعية إنسان، ص. 19.

[2]  هيرين، ب. (2015) "الدومارية: لغة "جيبسي الشرق الأوسط"، الشرق الأوسط في لندن، المجلّد 11، ص. 15-16.

[3]  المرجع نفسه.

[4] جمعية أرض الإنسان لوزان، المرجع أعلاه، ص. 34.

[5]  مجهول، مقابلة أجرتها لوسيا مرزوفا، 6 يونيو 2018، بيروت، لبنان.

[6]  مجهول (2)، مقابلة أجرتها لوسيا مرزوفا، 6 يونيو 2018، بيروت، لبنان.

[7]  بلاكت، ب (2014) "الباحثون يحاولون إنقاذ اللغات المحكية في الشرق الأوسط من الاندثار"، الفنار ميديا، متوفّر على الإنترنت على الرابط: https://www.al-fanarmedia.org/2014/09/researchers-try-save-middle-eastern- languages-extinction..  تم النفاذ في 12 يوليو 2018.

[8]  ك. مرتضى، مقابلة مع لوسيا مرزوفا، 22 يونيو 2018، جمعية "تحدّي"، بيروت، لبنان.

[9]  موزلي، ك. (201). أطلس لغات العالم المهدّدة بالاندثار، الطبعة الثالثة، باريس: منشورات اليونسكو.  

[10]  هيرين، ب. المرجع أعلاه، ص. 15-16.

[11]  مارسي، ف. (2017) "الدوم، جزء من لبنان، ولكن مهمّشون"، ذا ديلي ستار (لبنان)، متوفّر على الإنترنت على الرابط: https://www.pressreader.com/lebanon/the-daily-star-lebanon/20170123/281582355339933 تم النفاذ في 12 يوليو 2018.

[12]  جمعية أرض الإنسان لوزان، المرجع أعلاه.

[13]  مجهول (3)، مقابلة أجرتها لوسيا مرزوفا، 6 يونيو 2018، بيروت، لبنان.

[14]  ك. مرتضى، مقابلة مع لوسيا مرزوفا، 22 يونيو 2018، جمعية "تحدّي"، بيروت، لبنان.

[15] عبيد (ج) (2016) "كيف ترك التاريخ الكثير من البدو في لبنان من دون جنسية"، ذا ديلي ستار (لبنان). متوفّر على الإنترنت على الرابط: http://www.dailystar.com.lb/News/Lebanon-News/2016/Aug-24/368666-how-history-left-many-bedouins-in-lebanon-stateless.ashx . تم النفاذ في 21 سبتمبر 2018.

[16]  المرجع نفسه                                                                                                                                             

[17]  جمعية روّاد فرونتيرز، (2010) هل الدولة هي من جعلهم عديمي الجنسية؟ متوفّر على الإنترنت على الرابط: http://ruwadhoukouk.org/pdf/Lebanon%20-%20Bedouins%20Life%20-%20States%20Made%20Them%20Stateless%20-%202010.pdf. تم النفاذ في 20 سبتمبر 2018.

[18] جمعية أرض الإنسان لوزان، المرجع أعلاه، ص. 40

[19] جمعية روّاد فرونتيرز، (2015) انعدام الجنسية في لبنان: عرض استعداداً للاستعراض الدوري الشامل الثاني للبنان من قبل مجلس حقوق الإنسان. متوفّر على الإنترنت على الرابط: https://frontiersruwad.files.wordpress.com/2015/03/upr-lebanon-2015_frontiers-association-submission-on-statelessness_f.pdf. تم النفاذ في 20 سبتمبر 2018.

[20]  مجهول (1)، مقابلة أجرتها لوسيا مرزوفا، 6 يونيو 2018، بيروت، لبنان.

[21]  المرسوم 5247، تاريخ 20 يونيو 1994، "القبول في الجنسية اللبنانية"، الجريدة الرسمية، الملحق 2 للعدد 16، تاريخ 30 يونيو 1994.

[22] جمعية أرض الإنسان لوزان، المرجع أعلاه، ص. 8.

[23]  مجهول (1)، مقابلة أجرتها لوسيا مرزوفا، 6 يونيو 2018، بيروت، لبنان.

[24] جمعية أرض الإنسان لوزان، المرجع أعلاه، ص. 31 و38.

[25] ر داس وج. ديفيدسون، (2011) سمات الفقر: الوجه البشري للفقر في لبنان. بيروت: دار منهل الحياة، ص. 209.

[26]  ك. مرتضى، مقابلة مع لوسيا مرزوفا، 22 يونيو 2018، جمعية "تحدّي"، بيروت، لبنان.

[27]  المرجع نفسه.

[28]  المرجع نفسه.

[29] المرجع نفسه.

[30] جمعية أرض الإنسان لوزان، المرجع أعلاه، ص. 23.

[31]  الإدارة المركزية للإحصاء، (2007) مسح ظروف العيش 2007. بيروت: شمالي وشمالي، ص. 208 و225.

[32] جمعية أرض الإنسان لوزان، المرجع أعلاه، ص. 34.

[33]  حورني، ج. (2011) "الأكراد في لبنان: الحراك الاجتماعي الاقتصادي والمشاركة السياسية من خلال التجنيس"، مجموعة الأوراق البحثية الصادرة عن مركز دراسات الانتشار اللبناني، 1/2011، ص. 39.

[34]  ذا ديلي ستار، (1998) "العرب "الحقيقيون"لا يزالون يشعرون بأنّهم مواطنون من الدرجة الثانية"، ذا ديلي ستار (لبنان)، متوفّر على الإنترنت على الرابط: http://www.dailystar.com.lb/Culture/Art/1998/Nov-10/106458-real-arabs-still-feel-second-

class.ashx . تم النفاذ في 12 يوليو 2018.

[35]  مجلس الشورى، (2003) القرار رقم 484/2002-2003، 7/5/2003، ص. 38

[36]  م. سيف الدين بور، (2015) "اللغات المهدّدة بالاندثار: لماذا تعدّ مهمّة" TEDxLSHTM.. متوفّر على الإنترنت على الرابط: <https://www.youtube.com/watch?v=D7HZOsQYx_U>. تم النفاذ في 18 يونيو 2018.

[37] حوراني، المرجع أعلاه، ص. 95.

[38] جمعية روّاد فرونتيرز (2010)، المرجع أعلاه، ص. 10.

[39]  مجهول (1)، مقابلة أجرتها لوسيا مرزوفا، 6 يونيو 2018، بيروت، لبنان.

[40]  المرجع نفسه.

0 Comments

أضف تعليقاً

أضف تعليقاً