ماذا يوجد في ألعاب الفيديو؟

ماذا يوجد في ألعاب الفيديو؟

مقال

اسمه أحمد وهو مقاتل حزب الله في سوريا.

هو يدافع عن المقام الشيعي للسيّدة زينب في دمشق، تسلّل إلى معسكر داعشي في محيط الحجيرة لإنقاذ السجناء والرهائن المحتجزين لدى داعش في أحد منازل الـ" القُصير"، قبل أن تجتاح المعركة الكبيرة البلدة. يشارك أحمد في معركة "القصير"، ثم يلقي القبض على العقل المدبر للتفجير الانتحاري المزدوج الذي أودى بحياة 46 شخصًا في تشرين الثاني/نوفمبر 2015 في الضاحية الجنوبية لبيروت. وينتهي به المطاف كقنّاص في كمين نُصب ضد إحدى كتائب داعش كانت تخطط لهجوم على رأس بعلبك، في سهل البقاع اللبناني، حيث قاتل حزب الله في صيف عام 2017.

 

لكن أحمد يفعل أشياء غريبة لن يفعلها الجندي أبداً. عندما يكون على الجبهة لا يفكر في أمه أو زوجته أو أولاده، ولا يشتاق لعائلته أبداً.  وما بين مهمتين، وأثناء انتظاره لأمر عسكري حربي يأتي في مذكرة رسمية تحمل شعار حزب الله، يكتب أحمد بشكل عشوائي على قطعة من الورق جملة "لبيك يا نصر الله!"

في شباط/فبراير، أطلق حزب الله أحدث لعبة فيديو له، وهو مطلق النار ثلاثي الأبعاد، من إنتاج شركة كاونترسترايك، والذي يدعو اللاعبين إلى الدفاع عن المقامات الشيعية في سوريا ولبنان ضد حشود مقاتلي داعش. هذه اللعبة بدأت تمجّد مشاركة قوات شبه عسكرية مدعومة من إيران في الحرب السورية في العام 2013.

بالنسبة إلى لاعب غير مدرك للخلفيات الايديولوجية، لا يختلف كاونترسترايك الكثير عن "نداء الواجب" Call of Duty. حتى بالنسبة إلى العالم السياسي الذي تابع معارك حزب الله في سوريا، لا تحتوي اللعبة على شيء جديد. لكن الشيطان يكمن في التفاصيل.

رغم تعهّد مسؤولي حزب الله بأن اللعبة ليست أداة تجنيد.

"إنها أداة لمواجهة الثقافة الوحشية التي تغزو سوقنا باستخدام ألعاب خالية من المشاعر والانتماء"، يقول الموقع الرسمي للعبة. ويضيف: "تحية لأرواح الشهداء وعائلاتهم وتضحيات الجرحى وعائلاتهم".
لكن الحقيقة هي أن لعبة فيديو حزب الله ليست سوى جزء صغير من حملة حزب الله الدعائية. وهي تستهدف المراهقين والأصغر سنًا في لبنان والمغتربين الشيعة اللبنانيين، الذين يفتنهم سراب أن يصبحوا أبطالًا على جبهة القتال. إنها أداة أخرى تهدف إلى التأثير على العقول الشابة وصقلها لتقتنع أن السنّة هم العدو، تماماً مثلما نمت الأجيال على فكرة أنّ إسرائيل مصدر كل شرّ.

ألعاب الفيديو والتجنيد العسكري

إغراء المجنّدين العسكريين باستخدام ألعاب الفيديو ليس بالأمر الجديد. حزب الله نفسه أطلق عدة منها، أولّها في العام 2000 عقب انسحاب قوات الدفاع الإسرائيلية من لبنان وهي لعبة طفل القدسَ Quds Kid، تبعتها لعبة أخرى، هي القوة الخاصة الأولى. تبعتها اللعبة الثالثة، القوة الخاصة الثانية، استندت إلى حرب 2006 ضد إسرائيل.

حتى القوات المسلّحة النظامية، مثل الجيش الأمريكي، استخدمت لفترة قصيرة ألعاب الفيديو لجذب مزيد من الشباب إلى الانخراط في الجيش من خلال مشاهدة معارك افتراضية تدخل في ذهنهم فكرة أن "القتال عادي". فافتتحت في العام 2008 مركزًا بكلفة 12 مليون دولار ما لبث أن أغلقته في منتصف العام 2010. وكان هذا المركز، الذي يقع في مجمّع فرانكلين ميلز التجاري شمال شرق فيلادلفيا، كناية عن مكان تمارس فيه ألعاب حربية في اطار واقع افتراضي. يهدف هذا المكان الى تعريف الشباب إلى واقع الحياة العسكرية عن طريق ألعاب الفيديو العنيفة. وما لبث أن أصبح مكانًا مخصصًا للمراهقين ولصغار السنّ الذين لعبوا "هالو" أو "مادن"، أو "مروحيات أباتشي وبلاك هوك" على أجهزة محاكاة قتالية. وخلال العامين اللذين عمل المركز فيهما، زاد معدل التجنيد في الجيش الأميركي بنسبة 15 في المائة.

ومع ذلك، انهالت عليه وابل من الاحتجاجات العنيفة من الناشطين المعارضين للحرب ومن الآباء الذين اتهموا الجيش بإغراء الأطفال بالتجنيد من خلال ابراز إثارة المعركة.

والأمر سيّان بالنسبة إلى الدولة الإسلامية التي لجأت بدورها إلى ألعاب الفيديو كجزء من آلية تسويق ايديولوجية. ففي نهاية عام 2014، أنزلت على سوق ألعاب الفيديو لعبة جديدة على شبكة الانترنت الناشئة التابعة لخليفة الدولة الاسلامية. وهي نسخة معدّلة عن (: San Andreas 2004 Grand Theft Auto) واسمها (Grand Theft Auto صليل الصوارم) ومقاتله المتمرد الرئيسي يهاجم الشرطة والجيش وهو يعصب رأسه بخرقة سوداء ويرتدي قميصاً أسودًا فضفاضًا وسروالًا عسكريًا.

قد يبدو ذلك للوهلة الأولة مجرّد مزحة بالنسبة إلى بعض اللاعبين، ولكن من المهم معرفة أنّ مقاتلي داعش هم في الأساس لاعبون يجدون الإلهام في هذه الأنواع من المنتجات، مما يجعلها أداة فعاّلة للتجنيد.

من المعروف مثلًا أنّ "الجهادي جون"، الرجل الذي قطع رأس جيمس فولي بسكين أمام الكاميرا وأنتج فيلماً أثار اشمئزاز العالم برمتّه، هو محمد عموزي ولد في الكويت وتلقى تعليمه في مدارس بريطانية. وكان لاعبًا مدمنًا على ألعاب الفيديو ويمارس فنون الدفاع عن النفس. في تطور ملفت لشخصية عموزي، تبيّن من خلال الكتاب السنوي الذي يصدر عن المدرسة الذي كان يرتادها عندما كان في العاشرة من عمره أن لعبته المفضلة على الكمبيوتر هي Duke Nukem: Time To Kill وكتابه المفضل هو "كيف تقتل وحشاً"، من سلسلة كتب الأطفال الرائجة Goosebumps.

رحّبت خلافة البغدادي بألعاب الفيديو واستخدمتها لجذب المزيد من المسلحين، وتنمية عامل البرودة واستغلاله تمامًا كما هي الحال في صناعة الأزياء التي تعجّ بالعارضات والممثلين والقيمة الإنتاجية العالية. كان "البلدوزر"، وهو جلاد داعش في العراق، يتمتع بشعبية كبيرة في المواقع الجهادية بسبب حجمه وقوته. وعلى ما يبدو لم يؤثر قيامه بتشويه الأطفال في الأماكن العامة على نجوميته بتاتًا.

خلال الحرب بين الدولة الإسلامية والميليشيات الشيعية المدعومة من إيران في العراق، غرق الإعلام الاجتماعي في مقاطع فيديو عن التعذيب والإعدامات وحتى المقاتلين المشوهين. لم تصدر هذه الأفلام من مسلحي الدولة الإسلامية فحسب، بل أيضاً من رجال الميليشيات الشيعة الذين كانوا يسنح لهم بتعذيب السنّة أو بقطعه رؤوسهم أمام الكاميرا، حتى في بعض الأحيان كان يصل بهم الحدّ إلى إطلاق النار على الأطفال المتهمين بـ"دعم داعش".

لكن حزب الله هو أمر آخر. لم يسعَ الحزب إلى اطلاق حملة دعائية له مستوحاة من ساحة المعركة، بل في استوديوهات مجهزة خصّيصًا لتجنيد الشيعة اللبنانيين المثقفين الذين يتبعون بشكل أعمى خط الحزب. إن إطلاق حزب الله لعبة فيديو جديدة للإشادة بأبطاله ليس لتحقيق هدف على المدى القصير كما في حالة الدولة الإسلامية. فبالنسبة إلى حزب الله، ليس هذا سوى جزء صغير جداً من استراتيجية طويلة المدى هدفها تشكيل مجتمع شيعي في ظل حكمه.

بناء يوتوبيا حزب الله

لحزب الله كشافه، كشّافة الإمام المهدي، مثلما كان للاتحاد السوفيتي الروّاد والكومسومول. قد تكون الأصولية التي تقود الشيعية وتوجه حزب الله بعيدة كلّ البعد عن الأصولية التي قادت الشيوعية، لكن أساليب تطبيق أفكارها متشابهة إلى حد بعيد. أراد الحزب الشيوعي السوفييتي أجيالًا جديدة من الشباب يعلنون الولاء الأعمى للدولة الشيوعية ولا يشكّون أبدًا في سياستها فكان له ما أراد.

يريد حزب الله أن يكتب شبّابه اسم حسن نصر الله على قطعة من الورق بينما ينتظرون على الجبهة أوامر عسكرية جديدة، بدلاً من التفكير في الفتاة التي يحبون. تمامًا مثل أحمد، الشخصية في لعبة الفيديو.
منذ عام 1983، وبمساعدة من إيران، قام حزب الله بتربية أجيال وأجيال من الأطفال وتدريبهم ليصبحوا جنودًا مستعدين لمحاربة إسرائيل عندما يستدعيهم الحزب.

على الرغم من أن الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الدول الأخرى تعتبر حزب الله منظمة إرهابية، فقد اصبح الحزب في لبنان واحد من أكبر وأقوى الأحزاب السياسية التي تهيمن على الحكومة مع حلفائه السياسيين، التيار الوطني الحر وحركة أمل.

باستخدام جهازه العسكري والأمني لإبعاد الغرباء عن المناطق الخاضعة لسيطرته، فرض حزب الله نفسه كدولة داخل دولة، مع نظام رعاية اجتماعية خاص به مرتبط بالولاء السياسي والعسكري. كما أنهّ يملك شبكة اتصالات خاصة به تعمل في حال طرأ أي تشويش على الشبكة المحلّية.

لكن الأهم من ذلك، أنّه أنشأ نظام تعليم خاص به، ضمن مدارس الإمام المهدي وأنشأ منظمة كشافة الإمام المهدي، حيث يتعلم الأطفال والمراهقون من 4 إلى 17 سنة أمور الدين، وتوزيع الأدوار بين الجنسين في المجتمع. وبالطبع يتعلم الأولاد أيضًا عن أنّ لا طموح أعلى من التضحية بأنفسهم على الخطوط الأمامية من أجل قضية حزب الله، ألا وهي محاربة إسرائيل.
في مسيرات عاشوراء التي ينظمها حزب الله في المناطق التي يسيطر عليها، يحمل الأطفال أعلامًا ويرددون "الموت لإسرائيل" وهم يرتدون معظم الأحيان ملابس عسكرية. في بعض الأحيان، يموت المراهقون أيضًا على الجبهة.

في أبريل/ نيسان 2015، توفي مشهور فهد شمس الدين وهو يقوم "بواجبه الجهادي". بثّ تلفزيون المنار صورته، صورة مراهق يبلغ من العمر بين 14 و15 سنة ونعته قائلاً "حزب الله يودع الشهيد المجاهد". أفادت صحيفة العربي الجديد في ذلك الوقت أن الشاب قُتل في غارة إسرائيلية على مواقع حزب الله في منطقة القلمون.

لم يكن شمس الدين هو المراهق الوحيد الذي قُتل عندما كان حزب الله يقاتل على الجبهة السورية. فالمقبرة التي خصّصت حديثاً للسوريين في الضاحية الجنوبية لبيروت تضمّ حوالي 200 ضريح. لم يكشف حزب الله أبدًا عن عدد المقاتلين الذين فقدهم على الجبهات في سوريا، لكن حسب التقديرات قد يصل عددهم إلى 1200. كان الكثير منهم من شباب قرى شيعية تركوا وراءهم عائلات تفتخر بتضحياتهم وتحصل في الوقت ذاته على مساعدات وامتيازات أخرى من حزب الله.

لم يكن من السهل الدخول إلى صفوف حزب الله العسكرية قبل أن تتورط الحركة في الحرب السورية. عندها بدأ تجنيد الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 10 إلى 13 عامًا وتدريبهم في سن مبكرة جداً ضمن كشافة الإمام المهدي. وعندما يبلغ الكشافة 16 أو 17 عامًا، كانوا يُخيّرون بين الانضمام إلى صفوف الحزب العسكرية أو متابعة تحصيلهم العلمي.

تأسست كشافة الإمام المهدي في العام 1985 وهي مسجلة لدى وزارة التربية اللبنانية. تضم المنظمة أطفالاً تتراوح أعمارهم بين 4 سنوات و 17 سنة، ينقسمون إلى أشبال وكشافة ومشاة. إلى جانب الأنشطة الخارجية والأعمال الخيرية، يقوم علماء الإمام المهدي أيضاً بتعليم الشباب أن يكونوا مسلمين صالحين، وأن يتطوعوا في المساجد المحلية، وأن يدافعوا عن لبنان ضد إسرائيل.
 
في مجلة شهرية من يناير / كانون الثاني 2018 مخصّصة للأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 8 و12 سنة، نشر حزب الله رسمًا ساذجًا لطفل يقف على قمة دبابة تحمل علم حزب الله في قانا، جنوب لبنان، لإحياء ذكرى الهجوم على القرية في العام عام 1986.

وعلاوة على ذلك، أدخل الحزب في إحدى المجلات المخصّصة للأطفال بين 13 و17 سنة، بين مقالات علمية ودينية أخرى، صورًا وقصصًا لمقاتلين شباب ماتوا وهم يقومون "بواجبهم الجهادي".
القصص المصورة هي في الغالب قصص حرب حول مقاتلي حزب الله الذين يقاتلون القوات الإسرائيلية. حيث يمثّل الشباب شخصيات أبطال حرب فقدوا حياتهم أو ضحوا بأطرافهم وأصدقائهم من أجل المقاومة الإسلامية.

هذا النوع من القصص يُغري المراهقين في الذين يرتادون أفضل المدارس في الضاحية وجنوب لبنان للانضمام إلى صفوف حزب الله العسكرية. وتنظّم هذه المدارس رحلات إلى متاحف حزب الله ومخيماته حيث يشاهدون عروضاً عن استعمال الأسلحة ويستمعون إلى قصص أبطال المقاومة وكيف عاشوا في الأنفاق للدفاع عن لبنان ضد الاحتلال الإسرائيلي.

صياغة رواية جديدة لتبرير الحرب ضد السنّة في سوريا

شكّل الانتقال من المقاومة الإسلامية التي تحارب الاحتلال الإسرائيلي في لبنان إلى الميليشيا الشيعية التي تحارب ضد إخوانها المسلمين السنّة في سوريا وإرسال مقاتليهم إلى العراق لتدريب ميليشيا شيعية أخرى مدعومة من إيران تحوّلا جذريًا بالنسبة إلى حزب الله.

لم يعترف حزب الله حتى بوجود مقاتلين على الجبهة السورية بين عاميّ 2011 و2012. إلا أن الشيعة في بعض قرى جنوب لبنان ووادي البقاع أبلغوا عن دفن مقاتليهم بشكل سرّي.

لكن في تشرين الأول/أكتوبر 2012، كشفت وفاة أحد كبار القادة الذين لعبوا دوراً مهماً في حرب 2006 ضد إسرائيل أكثر مما أراد المسؤولون في الحزب. ولم يتسن له تجاهل وفاة أبو عباس، وبعد أن رصفت طرقات القرية بالأعلام الصفراء، ذهب الشيخ محمد يزبك نفسه إلى هذه القرية المجاورة لبعلبك لإلقاء خطاب التأبين تكريماً له.

إذًا ها هو الوقت قد حان ليذكر حزب الله في خطاباته التكفيريين والمسلمين المتشددين الذين يتّهمون المسلمين الآخرين بالارتداد تعليقًا على الحركات الإسلامية في سوريا وكذلك الخطاب السلفي المتصاعد في لبنان، ومعظمه داعم للانتفاضة السورية.

لكن لم يكن كافياً لموافقة المحازبين والمؤيّدين على تورط المجموعة في الحرب السورية. فلا علاقة للحرب في سوريا بصراع حزب الله مع إسرائيل والذي يدور حول فكرة الدفاع عن جنوب لبنان من العدوان العسكري والاحتلال.

شدّد حزب الله في خطابه على أنّ الحرب في سوريا هي ضد المتطرفين السنة الذين تمرّدوا ضد نظام سياسي دعم حزب الله، فاتحًا هكذا الطريق أمامه باتجاه ايران وتعزيز فرص انشاء بعض القواعد العسكرية للحزب على الأراضي السورية. لكن رغم ذلك، لم يكن هناك أي قضية حياة أو موت تبرّر تورطًا عسكريًا كاملًا.

بعد استشهاد بعض المقاتلين في سوريا ودفنهم في بلداتهم الأم، بدأ الناس يطرحون أسئلة لم يكن حزب الله مستعداً للإجابة عنها بعد. في البداية تعهد حسن نصر الله بأن حزب الله، كمنظمة، لن يتورط في سوريا. ثم أوضح أن الشيعة اللبنانيين من قرى وادي البقاع الحدودية، والذين صودف أنهم من مقاتلي حزب الله، قد عبروا الحدود لحماية قراهم من ألوية المتمردين السوريين.

وسرعان ما امتزج الدفاع عن المقامات الشيعية والقرى الشيعية في سوريا من التكفيريين مع قضية محاربة اسرائيل فبدت فجأة في عالم حزب الله أنّ منظّمات داعش وجبهة النصرة والكتائب السلفية الأخرى وكأنها من صنع إسرائيل وتحظى برعايتها، وصار المتمردون السنّة في سوريا من التوابع الإسرائيلية الذين يحاولون القضاء على أي نفوذ شيعي في الشرق الأوسط، وبالتالي في لبنان أيضًا.

هل قصد حزب الله تصوير الوضع على هذا النحو أو أن الصدفة خلقت ظروفًا صبّت في مصلحته ؟ على جميع الأحوال لم يكن الحزب لينجح في شحن الهمم وتجنيد محازبيه لولا الأرضية الخصبة التي هيّأها لدى مناصريه عبر أجيال وأجيال لا يرون في إسرائيل سوى مصدر لكل الشرور، بل وأيضاً يقدمون الطاعة للحزب من دون مساءلة. إذا كان الحزب يقول إن إسرائيل تقف وراء الانتفاضة السورية، فإن الحزب دائمًا على حق.

في هذه الأثناء، وفيما كان اللاجئون السوريون يتدفقون على لبنان، كان الشيوخ السلفيون السنّة في طرابلس وصيدا يهاجمون تحالف حزب الله مع الحكومة السورية مستغلّين الانقسامات بين القيادات السياسية المعتدلة في الطائفة السنية ونفي سعد الحريري، الأمر الذي أدّى إلى التفاف السنّة حولهم.

وطبعًا كنتيجة حتمية لهذا الجوّ من المشاحنات المذهبية، تخطّى الخوف والغضب بين السنة والشيعة المجال السياسي لينتقل إلى ساحة القتال. في أثناء تغطيتي المعارك بين السنة في باب التبانة والعلويين في جبل محسن، ذهبتُ إلى طرابلس للتحدث مع أحد القادة. كان سائق سيارة الأجرة الذي أخذني إلى باب التبانة شابًا شيعيًا من الضاحية الجنوبية لبيروت. لم أكتشف خلفيته الدينية حتى تنهد بارتياح في طريق عودتنا إلى بيروت. خلال الساعات السبعة التي قضيناها في طرابلس، لم يغادر السيارة أبدًا خشية أن يدرك أحد أنه شيعي ويتعرّض له.

أدّى تواجد حزب الله في سوريا إلى تدهور الوضع الأمني في لبنان عام 2013، حيث أصبحت الأحياء التي يسيطر عليها حزب الله أهدافاً للمفجرين الانتحاريين.

وبينما كان شعب حزب الله يقاتل في "القُصير" ويقوم بتدريب المليشيات الشيعية في العراق واليمن، مات مدنيون في المناطق اللبنانية التي يسكنها شيعة. في تشرين الثاني/نوفمبر2015، قُتل 47 شخصًا في تفجير انتحاري مزدوج في برج البراجنة، وهو أخطر انفجار حدث منذ الحرب الأهلية.

بين العامين 2012 و2016، هزّ أكثر من 38 تفجيراً لبنان، مخلفاً أكثر من 200 قتيل. واعتبر الكثير منهم شهداء، لكنهم كانوا في الواقع مجرد ضحايا. ولكن في رواية حزب الله لم يكن هناك أي مجال لإظهار المعاناة أو اليأس أو الألم أو الخوف من الموت أو الهزيمة. أبطال حزب الله دائماً منتصرون، لا يمكن العثور على المجد والكرامة إلا من خلال هزيمة عدو في الحرب. الأمر كله يتعلق بالدفاع المقدس.

بالنسبة إليهم، حزب الله ليس من مطلقي لعبات فيديو. فقط الجنود يستحقون إحياء ذكراهم. حتّى الآن لدينا لعبة فيديو واحدة و200 قبر في ضريح.

0 Comments

أضف تعليقاً

أضف تعليقاً