قليلٌ من هدرٍ دائم…”: ملامسة الفجيعة بالتفكيك النسيجي للموسيقى والشعر”

قليلٌ من هدرٍ دائم…

قليلٌ من هدرٍ دائم…”: ملامسة الفجيعة بالتفكيك النسيجي للموسيقى والشعر

أدهم الدمشقي
في اللحظات التاريخية التي يتكسر فيها الفعل السياسي والاجتماعي أمام طغيان الحروب والأزمات المتلاحقة، تُصبح الممارسة الفنية واحةً حيوية، وملاذًا نقديًا يسعى لإعادة بناء الوعي بالذات والجذور. يقدم ألبوم “قليلٌ من هدرٍ دائم…” تجربةً جماليةً وبنيوية تبتعد عن الاستهلاك السريع، وتطرح نفسها بوصفها وثيقة صوّتية وبصرية تتصارع مع الشعور العارم بالعجز الإنساني في وجه الدمار. قد صُنع هذا الألبوم وتمّ تسجيله في قلب بيروت عام 2025 بالتعاون مع مؤسسة هينرش بل – مكتب الشرق الأوسط، والتي يسّرت المديرة الفنيّة السابقة السيدة ألين جميل إتمام المشروع، ليقف عملًا متعدد اللغات والرؤى الفلسفية، متخذًا من التاريخ العائلي الشفاف مدخلًا لمساءلة الوجود والموت وخلود الطبيعة.

البنية المفهومية: تقاطع الذات مع التاريخ المتكرر

تستند الرؤية الفلسفية للألبوم على تجربة الممثلة المؤدية ضنا مخايل، التي انطلقت من رغبة حثيثة لتفكيك سيرتها الذاتية القائمة على تقاطع الجذور الألمانية واللبنانية. لم يكن الرجوع إلى الذاكرة العائلية مجرد حنين بائس إلى الماضي، إنما كان استدعاءً نقديًا لمفهوم تكرار التاريخ. فما عاشه الأجداد من اغتراب ونضال ومعاناة يعاد إنتاجه اليوم بنفس القسوة والقتامة في لبنان والعالم.

يتخذ المشروع من ديوان “هديم (Späte Ährenlese) “عتبة نصية ومفهومية كبرى. كلمة “هديم”، التي تشير في الدلالة إلى الحصاد المتأخر أو ما تبقى من حصاد العام الماضي ، هي عنوان الديوان الشِعري الذي تركه جد والدة ضنا، القس والشاعر الألماني ماكس سايدل. ومن هذا المعنى تحديثًا، يصبح البقاء والاستمرار مرتبطين بما تُبقيه الكارثة. فالفن هنا هو ذلك “الحصاد المتأخر” الذي يُلتقَط من بين حطام التاريخ. النص الشّعرّي للجد يعيد التساؤل عن أسرار الوجود ويطرح معضلات الروح أمام جبروت الطبيعة والقدر، في حوارية حميمة تتجاوز المسافات الزمنية والجغرافية.

 

1

القراءة النقدية الصوتية: تناص اللّغات والهارموني القلق

عنصر القوة النقدية في الألبوم يكمن في بنيته الصوتية والموسيقية. حيث ألّف جواد نوفل الموسيقى والتصميم الصوتي بشغفٍ وتصميمٍ يتجنب الحلول الهارمونية السهلة والمستقرة،  تلكَ التي تجعل الموسيقى مجرد خلفية مرافقة للإلقاء الشعري. لقد جعل نوفل الموسيقى تشكّل الطبقة الدرامية القائمة بذاتها والتي تتفاعل مع النصوص وتشاكسها.

الازدواجية اللّغوية والملمس الصّوتي

إن الانتقال بين الألمانية المترجمة والعربية (الفصحى والمحكية) قد يُحدث حالةً من عدم الاستقرار الجمالي المرغوب، حيث تنكشف الحدود الفاصلة بين ثقافة وأخرى. لهذا، ومن موقعي كشاعر ومسرحي، عملتُ على إعادة توليف النصوص المترجمة وقراءتها لغويًا. إذ لم أرد لهذه العملية أن تكون مجرد نقل حرفي أو مراجعة عابرة، إنّما أردتها إعادة خلق نسيجي تمنح النص الأصلي بعدًا دراميًا وشعريًا يتشابك مع الرؤية الصّوتية للألبوم. وفي المقابل، ضمنت إيزابيلا نادج تدقيق اللغة الألمانية على الغلاف للحفاظ على الإيقاع الداخلي للشعر الأصلي، ليغدو تجاور اللغات مرآةً تعكس تمزق هوية الذات المغتربة بين أرضين وزمانين.

2

التصعيد والتوتر الموسيقي

في مقطوعة “ليش؟ (Warum?) “ومقطوعة “دعسة الغريب”  (Zertretene Blumen)، يتدخل الكيبورد بعزف مارك إرنست ليزرع نبرةً حزينة ووجودية متأملة تتقاطع مع صراخ الأسئلة الحادة حول ألم الفصول الخريفية وجوع الأطفال، والطفولة التي يسحقها الموت بلا مبالاة.  أما الميكس والماسترينغ اللذان قادهما جاد عطوي وسيدريك فيرمونت، فقد حافظا على مساحات الصمت والتنفس، فالصمت في هذا الألبوم يُعامل بوصفه مادة صوتية لها وزنها الدرامي وليست فراغًا. هذا الصمت يُجسد شعور “الهدر” والعجز اللذين يُحاول الألبوم صياغتهما.

البُعد البصري والدلالي: غلاف الكتيب ولوحة “درب”

لا ينفصل المكون الصوتي في “قليلٌ من هدرٍ دائم…” عن بنيته البصرية. فالهوية الرقمية وتصميم غلاف الكُتَيِّب اللذان صممهما مايك ملاجاليان، يحملان تكاملًا مع لوحة الغلاف المعنونة “درب” (٢٠٢٥) للفنان بهاء السوقي من مجموعة  Silence in Plastic. تمثل اللوحة بظلالها وخطوطها المتشابكة مسارًا غير مكتمل، دربًا يبحث عن آخره في ظل الضبابية والخراب. التوافق بين اللوحة المجرّدة والتصميم الرقمي يكرّس فكرة الرحلة الدائمة: رحلة بين “القطرات” التي تسعى نحو نبعها الأول كما في مقطوعة “طريق”  (Unterwegs)، وبين العودة إلى الرحم الدافئة للأرض كما في مقطوعة “ذكرى” (Erinnerung).

4

الفن شاهد على خلود الطبيعة

إن أهمية ألبوم “قليلٌ من هدرٍ دائم…” لا تقف عند حدوده الفنية والتقنية، بل تتعداها إلى موقفه الأخلاقي والإنساني. إنه عمل يرفض الخنوع للعدمية رغم إدراكه العميق لحجم الفجيعة. عبر التناغم الخلاق بين أداء ضنا مخايل، وشعر ماكس سايدل، وموسيقى جواد نوفل، وفريق العمل المتكامل، يتحول الألبوم إلى فعل مقاومة بصرية وصوتية.

إنه نداء مفتوح ومستمر يرصد لحظات الموت والولادة، ويستذكر أن نضال الإنسان وإيمانه متلازمان، وأن الطبيعة في خلودها واستدامتها تجعل من الكلمة والموسيقى الحصادَ الأخير والوحيد الذي يستحق أن نتمسك به وسط هدر الأيام.

*عن مؤسسة هينرش بُل:

تُعدّ “مؤسسة هينرش بُل” جزءًا من حركة الخضر السياسية التي نشأت عالميًا بديلًا وردًّا على السياسات التقليدية للاشتراكية، الليبرالية، والمحافظة. وترتكز مبادؤها الأساسية على البيئة والتنمية المستدامة، الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتقرير المصير والعدالة. وفي عام 2004، افتُتح مكتب الشرق الأوسط للمؤسسة في بيروت ليكون مساهمًا فاعلاً في حركات الناشطين، وشريكًا في خلق منصات التشبيك، إضافة إلى تزويد الشركاء بالروابط والاتصالات الدولية اللازمة لعملهم، فضلاً عن دوره في رصد وملاحظة وتحليل مجريات الأحداث في المنطقة.

تحمل المؤسسة اسم “هينّرش بُل”، أحد ألمع وأهم الأدباء في ألمانيا الاتحادية، والذي كان ناقدًا جريحًا للتحولات التاريخية الألمانية في النصف الثاني من القرن الماضي، وقائلًا في التزامه الإنساني: “ملزمٌ بالزمن وبمعاصيري، وبما عايش جيلي وما اختبر من تجارب وما شاهد وسمع”.

للمزيد